مدارج السالكين

يفنَى١ إمكانه في وجوبه.

فانظر ما في هذا الكلام من الإلحاد والكفر الصُّراح، وجعل عين المخلوق نفس عين الخالق، وأنّ الرّبّ سبحانه أقام نفسَ أوصافه نائبةً عنه في استجلاء ذاته، وأنّه شاهدَ ذاتَه بذاته في مراتب الخلق، وأنّ الإنسان إذا صحا من سُكره وجد في ذاته حقائق ذات الرّبِّ، ووجد خلقيَّتَه أسماء مسمّى ذاته، فيرى ثبوت ذلك الاسم في حضرة سائر الأسماء المشيرة بدلالتها إلى الوجود «المنزَّه الأصل» يعني عن الانقسام والتّكثُّر، «المُوهِم الفرع» يعني الذي يُوهِم فروعُه وتكثُّرُ مظاهرِه واختلافُ أشكاله أنّه متعدِّدٌ، وإنّما هو وجودٌ واحدٌ، والأشكال على اختلاف ضروبها أمورٌ عدميّةٌ، لأنّها ممكنةٌ، وإمكانها يفنى في وجوبها، فلم يبقَ إلّا وجوبُ الوجود، وهو واحدٌ وإن اختلفت الأشكال التي ظهر فيها، والأسماء التي أشارت إليه.

فالاتِّحاديُّ يُشاهد وجودًا واحدًا، جامعًا لجميع الصُّور والأنواع والأجناس، فاض عليها كلِّها، فظهر فيها بحسب قوابلها واستعداداتها.

وذلك الشُّهود يجذبه إلى انجذاب عزمه عن التّقيُّد بمعبودٍ معيّنٍ أو عبادةٍ معيّنةٍ، بل يبقى معبوده الوجود المطلق السّاري في الموجودات، بأيِّ معنًى ظهر، وفي أيِّ ماهيّةٍ تحقَّق، فلا فرقَ عنده بين السُّجود للصّنم والشّمس والقمر والنُّجوم وغيرها، كما قال شاعر القوم٢:

وإن خَرَّ للأحجارِ في البُدِّ عاكفٌفلا تَعْدُ في الإنكارِ بالعصبيّةِ
  1. (١) في الأصول: «لتعيّن». والتصويب من «شرح التلمساني»، وسيشرحه المؤلف.
  2. (٢) هو ابن الفارض، والأبيات من تائيته المشهورة، وليس في «ديوانه» ط. دار الكتب العلمية.
137
وإن عبدَ النّارَ المجوسُ وما انطفَتْكما جاء في الأخبار مُذْ ألفِ حجّةِ
فما عبدوا غيري ولا كان قصدُهمسواي وإن لم يُظهِروا عقدَ نيّةِ
وما عقدَ الزُّنّارَ حكمًا سِوى يديوإن حلَّ بالإقرار لي فهي بيعتي

وكما قال عارفهم١: واعلم أنّ للحقِّ في كلِّ معبودٍ وجهًا يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله، فالعارف يعرف من عبد، وفي أيِّ صورةٍ ظهر، قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]. قال٢: وما قضى الله بشيء إلّا وقع، وما عُبِد غير الله في كلِّ معبودٍ.

فهذا مشهدُ الملحد.

والموحِّد يشاهد بإيمانه ويقينه ذاتًا جامعةً للأسماء الحسنى والصِّفات العلى، لها كلُّ صفة كمالٍ وكلُّ اسمٍ حسنٍ، وذلك يَجذِبه إلى نفس اجتماع همِّه على الله، وعلى القيام بفرائضه.

والطريق بمجموعها لا تخرج عن هذين الشيئين، وإن طوَّلوا العبارات ودقَّقوا الإشارات، فالأمر كلُّه دائرٌ على جمعِ الهمِّ على الله، واستفراغِ الوسع بغاية النصيحة في التقرُّب إليه بالنّوافل بعد تكميل الفرائض، فلا تُطوِّلْ ولا يُطوَّل عليك!

وشيخ الإسلام مراده بالجمع الجاذب إلى عين الجمع أمرٌ آخر بين٣ هذا وبين جمع أهل الوحدة وعينِ جَمْعهم، لا هو هذا ولا هذا، فهو دائرٌ

  1. (١) ابن عربي في «فصوص الحكم» (١/ ٧٢).
  2. (٢) المصدر نفسه (١/ ١٩٢).
  3. (٣) ش، د: «من». والتصويب من هامشهما.
138

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي