مدارج السالكين
وإن عبدَ النّارَ المجوسُ وما انطفَتْكما جاء في الأخبار مُذْ ألفِ حجّةِ
فما عبدوا غيري ولا كان قصدُهمسواي وإن لم يُظهِروا عقدَ نيّةِ
وما عقدَ الزُّنّارَ حكمًا سِوى يديوإن حلَّ بالإقرار لي فهي بيعتي

وكما قال عارفهم١: واعلم أنّ للحقِّ في كلِّ معبودٍ وجهًا يعرفه من عرفه، ويجهله من جهله، فالعارف يعرف من عبد، وفي أيِّ صورةٍ ظهر، قال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣]. قال٢: وما قضى الله بشيء إلّا وقع، وما عُبِد غير الله في كلِّ معبودٍ.

فهذا مشهدُ الملحد.

والموحِّد يشاهد بإيمانه ويقينه ذاتًا جامعةً للأسماء الحسنى والصِّفات العلى، لها كلُّ صفة كمالٍ وكلُّ اسمٍ حسنٍ، وذلك يَجذِبه إلى نفس اجتماع همِّه على الله، وعلى القيام بفرائضه.

والطريق بمجموعها لا تخرج عن هذين الشيئين، وإن طوَّلوا العبارات ودقَّقوا الإشارات، فالأمر كلُّه دائرٌ على جمعِ الهمِّ على الله، واستفراغِ الوسع بغاية النصيحة في التقرُّب إليه بالنّوافل بعد تكميل الفرائض، فلا تُطوِّلْ ولا يُطوَّل عليك!

وشيخ الإسلام مراده بالجمع الجاذب إلى عين الجمع أمرٌ آخر بين٣ هذا وبين جمع أهل الوحدة وعينِ جَمْعهم، لا هو هذا ولا هذا، فهو دائرٌ

  1. (١) ابن عربي في «فصوص الحكم» (١/ ٧٢).
  2. (٢) المصدر نفسه (١/ ١٩٢).
  3. (٣) ش، د: «من». والتصويب من هامشهما.
138

على الفناء، لا تأخذه فيه لومة لائمٍ، وهو الجمع الذي يدندن حوله. وعينُ الجمع عنده هو تفرُّد الرّبِّ سبحانه بالأزليّة والدّوام، وبالخلق والفعل١، فكان ولا شيء، ويكون بعد كلِّ شيءٍ، وهو المكوِّن لكلِّ شيءٍ، فلا وجودَ في الحقيقة لغيره، ولا فعلَ لغيره، بل وجودُ غيرِه كالخيال والظِّلال، وفعلُ غيرِه في الحقيقة كحركات الأشجار والنّبات. وهذا تحقيق الفناء في شهود الرُّبوبيّة والأزليّة والأبديّة، وطيُّ بساط شهود الأكوان، فإذا ظهر هذا الحكم انمحقَ وجود العبد في وجود الحقِّ، وتدبيره في تدبير الحقِّ، فصار سبحانه هو المشهود بوجودٍ من العبد متلاشٍ مضمحلٍّ كالخيال والظِّلال.

ولا يَستعدُّ لهذا عندهم إلّا من اجتمعت إرادته على المراد وحده، حالًا لا تكلُّفًا، وطبعًا لا تطبُّعًا، فقد تنبعث الهمّة إلى أمرٍ وتتعلّق به، وصاحبها معرضٌ عن غيرِ مطلبه، متحلٍّ به، ولكنّ إرادة السِّوى كامنةٌ فيه، قد توارى حكمها واستتر، ولمّا يَزَلْ، فإنّ القلب إذا اشتغل بشيءٍ اشتغالًا تامًّا تَوارى عنه إرادتُه لغيره، والتفاتُه إلى ما سواه، مع كونه كامنًا في نفسه، مادّتُه حاضرةٌ عنده، فإذا وجد فجوةَ أدنى تخلٍّ من شاغلِه ظهر حكمُ تلك الإرادات التي كان سلطانُ شهوده يحول بينه وبينها.

فإذًا الجمعُ وعين الجمع ثلاث مراتب:

أعلاها: جمع الهمِّ على الله إرادةً ومحبّةً وإنابةً، وجمعُ القلبِ والرُّوح والنّفس والجوارح على٢ استفراغ الوُسْعِ في التّقرُّب إليه بما يحبُّه ويرضاه، دون رسوم النّاس وعوائدهم، فهذا جمعُ خواصِّ المقرّبين وسادتهم.

  1. (١) «وبالخلق والفعل» ليست في ت.
  2. (٢) د: «عن».
139

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي