الثاني: الاستغراق في الفناء في شهود الرُّبوبيّة، وتفرُّد الرّبِّ سبحانه بالأزليّة والدّوام، وأنّ الوجود الحقيقيّ له وحده. وهذا الجمع دون الجمع الأوّل بمراتبَ كثيرةٍ.
الثالث: جمع الملاحدة الاتِّحاديّة وعينُ جمْعِهم؛ وهو جمع الشُّهود في وحدة الوجود.
فعليك بتمييز المراتب، لتسلم من المعاطب، والله المستعان. وسيأتي ذكر مراتب الجمع والتّمييز بين صحيحها وفاسدها في آخر باب التّوحيد من هذا الكتاب إن شاء الله.
قوله: (مالكةً لصحّة الورود)، أي: ضامنةً لصحّة ورودها، شاهدةً بذلك مشهودًا لها به، لأنّها فوق مشاهدة المعرفة، وفوق مشاهدة المعاينة.
قوله: (راكبةً بحرَ الوجود)، يعني: تلك المشاهدة راكبةٌ بحرَ الوجود، فهي في لُجَّةِ بحره، لا في أنواره ولا في بوارقه.
وقد تقدّم الكلام على مراده بالوجود، وأنّه وجود علمٍ ووجود عينٍ ووجود مقامٍ. وسيأتي تمام الكلام عليه في بابه إن شاء الله.
✽ ✽ ✽
فصل
قال شيخ الإسلام١: (باب المعاينة: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ﴾[الفرقان: ٤٥]).
قلت: المعاينة مفاعلةٌ من العِيان، وأصلها من الرُّؤية بالعين، يقال: عاينَه إذا وقعت عينُه عليه، كما يقال: شافَهَه إذا كلَّمه شِفاهًا، وواجَهَه إذا قابله بوجهه. وهذا مستحيلٌ في هذه الدّار أن يظفر به بشرٌ.
وأمّا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ﴾ فالرُّؤية واقعةٌ على نفس مدِّ الظِّلِّ، لا على الذي مَدَّه سبحانه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾[نوح: ١٥]، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾[الفيل: ١]. فهاهنا أوقع الرُّؤية على نفس الفعل، وفي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ﴾ أوقعَها في اللّفظ عليه سبحانه، والمراد فِعْلُه من مدِّ الظِّلِّ، وهذا كلامٌ عربيٌّ بيِّنٌ معناه، غير محتملٍ ولا مجملٍ، كما قيل في العُزّى: كُفرانَكِ اليومَ لا سبحانَكِ، إنِّي رأيتُ الله قد أهانكِ٢.
وهو كثيرٌ في كلامهم، يقولون: رأيتُ الله قد فعلَ كذا وكذا، والمراد رأيتُ فعْلَه. فالعيان والرُّؤية واقعٌ على المفعول، لا على ذاتِ الفاعل وصفتِه ولا فِعْلِه القائم به.
(١) «المنازل» (ص ٩٤).
(٢) قاله خالد بن الوليد عندما واجهها، ثم ضربها وفلق رأسها، كما في كتاب «الأصنام» لابن الكلبي (ص ٢٥ - ٢٦)، و«تلبيس إبليس» (ص ٥٣ - ٥٤)، و«إغاثة اللهفان» (٢/ ٩٦٥).