مدارج السالكين

فصل

قال شيخ الإسلام١: (باب المعاينة: قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ﴾ [الفرقان: ٤٥]).

قلت: المعاينة مفاعلةٌ من العِيان، وأصلها من الرُّؤية بالعين، يقال: عاينَه إذا وقعت عينُه عليه، كما يقال: شافَهَه إذا كلَّمه شِفاهًا، وواجَهَه إذا قابله بوجهه. وهذا مستحيلٌ في هذه الدّار أن يظفر به بشرٌ.

وأمّا قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ﴾ فالرُّؤية واقعةٌ على نفس مدِّ الظِّلِّ، لا على الذي مَدَّه سبحانه، كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا﴾ [نوح: ١٥]، وقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ﴾ [الفيل: ١]. فهاهنا أوقع الرُّؤية على نفس الفعل، وفي قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ﴾ أوقعَها في اللّفظ عليه سبحانه، والمراد فِعْلُه من مدِّ الظِّلِّ، وهذا كلامٌ عربيٌّ بيِّنٌ معناه، غير محتملٍ ولا مجملٍ، كما قيل في العُزّى: كُفرانَكِ اليومَ لا سبحانَكِ، إنِّي رأيتُ الله قد أهانكِ٢.

وهو كثيرٌ في كلامهم، يقولون: رأيتُ الله قد فعلَ كذا وكذا، والمراد رأيتُ فعْلَه. فالعيان والرُّؤية واقعٌ على المفعول، لا على ذاتِ الفاعل وصفتِه ولا فِعْلِه القائم به.

  1. (١) «المنازل» (ص ٩٤).
  2. (٢) قاله خالد بن الوليد عندما واجهها، ثم ضربها وفلق رأسها، كما في كتاب «الأصنام» لابن الكلبي (ص ٢٥ - ٢٦)، و«تلبيس إبليس» (ص ٥٣ - ٥٤)، و«إغاثة اللهفان» (٢/ ٩٦٥).
141

فصل

قال صاحب «المنازل»١: (المعاينات ثلاثة. إحداها: معاينة الأبصار. والثّانية: معاينة عين القلب، وهي معرفة الشّيء على نَعْته، علمًا يقطع الرِّيبة، ولا تَشُوبُه حيرةٌ. الثّالثة: معاينة عين الرُّوح، وهي التي تُعايِنُ الحقَّ عيانًا محضًا، والأرواح إنّما ظهرت٢ وأُكرِمت بالبقاء لِتُناغي سَنا الحضرة، وتُشاهِد بهاء العزّة، وتجذب القلوب إلى فناء الحضرة).

جعل الشّيخ المعاينة للعين والقلب والرُّوح، وجعل لكلِّ معاينةٍ منها حكمًا.

فمعاينة العين: هي رؤية الشّيء عيانًا، إمّا بانطباع صورة المرئيِّ في القوّة الباصرة عند أصحاب الانطباع، وإمّا باتِّصال الشُّعاع المنبسط من العين المتّصل بالمرئيِّ عند أصحاب الشُّعاع، وإمّا بالنِّسبة والإضافة الخاصّة بين العين وبين المرئيِّ عند كثيرٍ من المتكلِّمين. والأقوال الثّلاثة لا تخلو عن خطأٍ وصوابٍ، والحقُّ غيرها، وأنّ الله سبحانه جعل في العين قوّةً باصرةً، كما جعل في الأذن قوّةً سامعةً، وفي الأنف قوّةً شامّةً، وفي اللِّسان قوّةً ناطقةً، فهذه قُوًى أودعَها الله سبحانه هذه الأعضاءَ، وجعل بينها وبينها رابطةً، وجعل لها أسبابًا من خارجٍ٣، وموانعَ تمنع حكمها، وكلُّ ما ذكروه من انطباعٍ ومقابلةٍ وشعاعٍ ونسبةٍ وإضافةٍ: فهو سببٌ وشرطٌ، والمقتضي هو القوّة القائمة بالمحلِّ. وليس الغرض ذكر هذه المسألة، فالمقصود أمرٌ آخر.

  1. (١) (ص ٩٤).
  2. (٢) كذا في الأصول وأكثر نسخ «المنازل». وفي المطبوع منه: «طهرت».
  3. (٣) في هامش ش: «ومخارجها».
142

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي