كقوله: «إنّ الرُّوح إذا قُبِضَ تَبِعَه البصرُ»١، وقوله: «إنّ الله قَبضَ أرواحَنا حيث شاء، وردَّها حيث شاء»٢، وقوله في حديث قَبْض الرُّوح وصفته: فإن كان مؤمنًا كان كذا وكذا، وإن كان كافرًا كان كذا وكذا٣. فسمّى المقبوض روحًا، كما سمّاه الله في كتابه نفسًا، وهذا المقبوض والمتوفّى شيءٌ واحدٌ، لا ثلاثةٌ ولا اثنان، وإذا قُبض تبعتْه القوى كلُّها: العقل وما دونه؛ لأنّه كان حامل الجميع ومَرْكبه٤.
إذا عُرِف هذا، فالمعاينة نوعان: معاينة بصرٍ، ومعاينة بصيرةٍ. فمعاينة البصر: وقوعه على نفس المرئيِّ أو مثالِه الخارجيِّ، كرؤية مثال الصُّورة في المرآة والماء. ومعاينة البصيرة: وقوع القوّة العاقلة على المثال العلميِّ المطابق للخارجيِّ، فيكون إدراكه له بمنزلة إدراك العين للصُّورة الخارجيّة٥، وقد يقوى سلطان هذا الإدراك الباطن، بحيث يصير الحكم له، ويقوى استحضار القوّة العاقلة لمدركها٦، بحيث يستغرق فيه، فيغلب حكمُ القلب على حكم الحسِّ والمشاهدة، فيستولي على السّمع والبصر، بحيث يراه ويسمع خطابه في الخارج، وهو في النّفس والذِّهن، لكن لغلبة
(١) أخرجه مسلم (٩٢٠) من حديث أم سلمة ﵂.
(٢) رواه مالك في «الموطأ» (٢٦) من حديث زيد بن أسلم مرسلًا، وهو صحيح بشواهده المسندة. انظر: «التمهيد» (٥/ ٢٠٤).
(٣) يشير إلى حديث البراء بن عازب الطويل الذي أخرجه أحمد (١٨٥٣٤)، وأبو داود (٤٧٥٣)، والحاكم في «المستدرك» (١/ ٣٧، ٣٨). وهو حديث صحيح.
(٤) «ومركبه» ليست في ت.
(٥) ت: «الخارجة».
(٦) د: «ليدركها».
الشُّهود وقوّةِ الاستحضار وتمكُّنِ حكم١ القلب واستيلائه على القوى صار كأنّه مرئيٌّ بالعين، مسموعٌ بالأذن، بحيث لا يشكُّ المُدرِك في ذلك ولا يرتاب البتّةَ، ولا يقبل عذلًا.
وحقيقة الأمر: أنّ ذلك كلّه شواهدُ وأمثلةٌ علميّةٌ تابعةٌ للمعتقد، فذلك الذي أدرك بعين القلب والرُّوح إنّما هو شاهدٌ دالٌّ على الحقيقة، وليس نفس الحقيقة٢، فإنّ شاهِدَ نورِ جلال الذّات في قلب العبد ليس هو نفس نور الذّات الذي لا تقوم له السّماوات والأرض، فإنّه لو ظهر لها لتدكدكتْ، وأصابَها ما أصاب الجبل. وكذلك شاهدُ نورِ العظمة في القلب، إنّما هو نور التّعظيم والإجلال، لا نور نفس المعظّم ذي٣ الجلال والإكرام.
وليس مع القوم إلّا الشّواهد والأمثلة العلميّة، والرّقائق التي هي ثمرة قرب القلب، وأنسه به، واستغراقه في محبّته وذكره، واستيلاء سلطان معرفته عليه، والرّبُّ ﵎ وراء ذلك كلِّه، منزّهٌ مقدّسٌ عن اطِّلاع البشر على ذاته أو أنوارِ ذاته، أو صفاتِه أو أنوار صفاته، وإنّما هي الشّواهد التي تقوم بقلب العبد، كما يقوم بقلبه شاهدٌ من الآخرة والجنّة والنّار وما أعدّ الله لأهلها.
وهذا هو الذي وجده عبد الله بن حَرامٍ يومَ أحدٍ، لمّا قال: واهًا لريح٤ الجنّة! إنِّي أجدُ ريحَها دون أُحُدٍ٥. ومن هذا قوله ﷺ: «إذا مررتم برياض
(١) «حكم» ليست في د.
(٢) «فذلك ... الحقيقة» ساقطة من ت.
(٣) ر: «ذو». ت: «حسن».
(٤) ر: «لروح».
(٥) قالها أنس بن النضر ﵁، كما أخرجه البخاري (٢٨٠٥)، ومسلم (١٩٠٣) من حديث أنس بن مالك ﵁.