الجنّة فارْتَعُوا»١. قالوا: وما رياض الجنّة؟ قال: «حِلَقُ الذِّكر»٢. ومنه قوله: «ما بين بيتي ومنبري روضةٌ من رياض الجنّة»٣، فهو روضةٌ لأهل العلم والإيمان، لِما يقوم بقلوبهم من شواهد الجنّة، حتّى كأنّها لهم رأيَ عينٍ، وإذا قعد المنافق هناك لم يكن ذلك المكان في حقِّه روضةً من رياض الجنّة. ومن هذا قوله: «الجنّة تحت ظلال السُّيوف»٤.
فالعمل إنّما هو على الشّواهد، وعلى حسب شاهد العبد يكون عملُه.
ونحن نشير بعون الله وتوفيقه إلى الشّواهد إشارةً يُعلَم بها حقيقة الأمر.
فأوّل شواهد السّائر إلى الله والدّار الآخرة: أن يقوم به٥ شاهدٌ من الدُّنيا وحقارتها، وقلّة وفائها، وكثرة جفائها، وخِسَّة شركائها، وسرعة انقضائها، ويرى أهلها وعشّاقها صَرْعى حولَها، قد بَدَّعتْ٦ بهم، وعذَّبتْهم
(١) ش، د: «فارتعوها».
(٢) أخرجه أحمد والترمذي من حديث أنس بن مالك ﵁ بإسناد ضعيف. وله شاهد من حديث جابر ﵁ عند أبي يعلى والحاكم وغيرهما، وهو ضعيف أيضًا. وقد تقدَّم تخريج الحديث مفصَّلًا في المجلد الثالث (ص ٢١٦).
(٣) أخرجه البخاري (١١٩٥) عن عبد الله بن زيد المازني، و(١١٩٦) عن أبي هريرة ﵄. وأخرجه أيضًا مسلم (١٣٩٠، ١٣٩١).
(٤) أخرجه البخاري (٢٨١٨) من حديث عبد الله بن أبي أوفى ﵁. وأخرجه مسلم (١٩٠٢) من حديث أبي موسى الأشعري ﵁.
(٥) في هامش ر: لعله «بقلبه».
(٦) مِن «أَبدَعَت الراحلةُ به»: كلَّت أو عطِبت، ولم يرد في كتب اللغة «بدَّع» بهذا المعنى.
فإذا قام بالعبد هذا الشّاهد منها ترحَّلَ قلبه عنها، وسافر في طلب الدّار الآخرة، وحينئذٍ يقوم١ بقلبه شاهدٌ من الآخرة ودوامها، وأنّها الحيوان حقًّا، فأهلُها لا يرتحلون منها، ولا يَظْعَنون عنها، بل هي دار القرار، ومحطُّ الرِّحال، ومنتهى السّير، وأنّ الدُّنيا بالنِّسبة إليها كما قال النّبيُّ ﷺ: «ما الدُّنيا في الآخرة إلّا كما يجعل أحدُكم إصبعَه في اليمِّ، فلينظر بم تَرجِع؟»٢. وقال بعض التّابعين: ما الدُّنيا في الآخرة إلّا أقلُّ من ذرّةٍ واحدةٍ في جبال الدُّنيا.
ثمّ يقوم بقلبه شاهدٌ من النّار، وتوقُّدِها واضطرامها، وبُعْدِ قَعْرِها، وشدّة حرِّها، وعظيم٣ عذاب أهلها، فيشاهدهم وقد سِيقوا إليها سُودَ الوجوه، زُرْقَ العيون، والسّلاسل والأغلال في أعناقهم، فلمّا انتهوا إليها فُتِحت في وجوههم أبوابها، فشاهدوا ذلك المنظر الفظيع، وقد تقطّعت قلوبهم حسرةً وأسفًا، ﴿وَرَأَى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفًا﴾[الكهف: ٥٣].
فيراهم٤ شاهد الإيمان وهم إليها يُدفَعون، وأتى النِّداء من قِبَل الرحمن أن قِفُوهم إنهم مسؤولون٥، ثمّ قيل لهم: ﴿هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ
(١) ر: «فيقوم».
(٢) أخرجه مسلم (٢٨٥٨) من حديث مُستَورِد ﵁.
(٣) ر: «وعظم».
(٤) ت: «فرآهم».
(٥) نظر إلى آية سورة الصافات: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ ٢٤﴾.