فيراهم شاهد الإيمان وهم في الحميم على وجوههم يُسحَبون، وفي النّار كالحطب يُسْجَرون، ﴿لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ﴾[الأعراف: ٤١]، فبئس اللِّحاف وبئس الفراش، وإن يستغيثوا من شدّة العطش يُغاثوا بماءٍ يشوي الوجوه١، فإذا شربوه قطَّع أمعاءهم في أجوافهم، وصَهَر ما في بطونهم، شرابُهم الحميم، وطعامهم الزّقُّوم ﴿لَا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ ٣٦ وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾[فاطر: ٣٦ - ٣٧].
فإذا قام بقلب العبد هذا الشّاهد انخلع من الذُّنوب والمعاصي، واتِّباع الهوى، ولبسَ ثيابَ الخوف والحذر، وأخصبَ٢ قلبُه من مَطرِ أجفانه، وهان عليه كلُّ مصيبةٍ في غير دينه وقلبه.
وعلى حسب قوّة هذا الشّاهد يكون بُعْدُه من المعاصي والمخالفات، فيُذِيب هذا الشّاهدُ من قلبه الفضلاتِ والموادَّ المهلكة، ويَنْضَحُها ثمّ يُخرِجها، فيجد القلب لذّةَ العافية وسرورها.
فيقوم به بعد ذلك شاهدٌ من الجنّة، وما أعدَّ الله لأهلها فيها ممّا لا عينٌ
(١) نظر إلى آية سورة الكهف: ٢٩ ﴿وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ﴾.
(٢) ت: «واخضر».
رأتْ ولا أذنٌ سمعتْ ولا خطَرَ على قلب بشرٍ، فضلًا عمّا وصفه لعباده على لسان رسوله من النّعيم المفصّل، الكفيل بأعلى أنواع اللّذّة، من المطاعم والمشارب، والملابس والصُّور، والبهجة والسُّرور، فيقوم بقلبه شاهدُ دارٍ قد جعل النّعيم المقيم الدّائم بحذافيره فيها، ترابُها المِسك، وحصباؤها الدُّرُّ، وبناؤها لَبِنُ الذّهب والفضّة وقَصَبُ اللُّؤلؤ، وشرابها أحلى من العسل، وأطيب رائحةً من المسك، وأبرد من الكافور، وألذُّ من الزّنجبيل، ونساؤها لو برزَ وجهُ إحداهنّ في هذه الدُّنيا لغلبَ على ضوء الشّمس، ولباسهم الحرير من السُّندس والإستبرق، وخَدَمُهم وِلدانٌ كاللُّؤلؤ المنثور، وفاكهتهم دائمةٌ، لا مقطوعةٌ ولا ممنوعةٌ، وغذاؤهم لحمُ طيرٍ ممّا يشتهون، وشرابهم عليه خمرةٌ لا فيها غَوْلٌ ولا هم عنها يُنزَفُون، وخضرتهم فاكهةٌ ممّا يتخيّرون، ومشاهدهم حورٌ عِينٍ كأمثال اللُّؤلؤ المكنون، فهم على الأرائك متّكئون، وفي تلك الرِّياض يُحبَرون، وفيها ما تشتهي١ الأنفس وتلذُّ الأعين وهم فيها خالدون.
فإذا انضمَّ إلى٢ هذا الشّاهد شاهدُ يومِ المزيد، والنّظر إلى وجه الرّبِّ ﷻ، وسماعِ كلامه منه بلا واسطةٍ، كما قال ﷺ: «بَيْنا أهل الجنّة في نعيمهم إذ سطَعَ لهم نورٌ، فرفعوا رؤوسهم، فإذا الرّبُّ ﵎ قد أشرفَ عليهم من فوقهم، وقال٣: يا أهل الجنّة، سلامٌ عليكم. ثمَّ قرأ قوله: ﴿سَلَامٌ قَوْلًا مِنْ رَبٍّ رَحِيمٍ﴾[يس: ٥٨]، ثمَّ يتوارى عنهم، وتبقى رحمته وبركته في