وفطرِه وصيامه، له شأنٌ وللنّاس شأنٌ، هو في وادٍ وهم في وادٍ.
خليليَّ لا واللهِ ما أنا منكماإذا عَلَمٌ من آلِ ليلى بَدَا ليا١
والمقصود: أنّ العيان والكشف والمشاهدة في هذه الدّار إنّما يقع على الشّواهد والأمثلة العلميّة، وهو المثل الأعلى الذي ذكره سبحانه في ثلاثة مواضع من كتابه: في سورة النّحل والرُّوم وسورة الشُّورى، وهو ما يقوم بقلوب عابديه ومحبِّيه والمنيبين إليه من هذا الشّاهد، وهو الباعث لهم على العبادة والمحبّة والخشية٢ والإنابة، وتفاوتُهم فيه لا ينحصر طرفاه، كلٌّ منهم له مقامٌ معلومٌ لا يتعدّاه. وأعظمُ النّاس حظًّا في ذلك معترفٌ بأنّه لا يُحصِي ثناءً عليه سبحانه، وأنّه فوقَ ما يُثنِي عليه المُثْنُون، وفوق ما يَحْمَدُه به الحامدون.
وما بلغَ المُهْدُونَ نحوَك مِدحةًوإن أَطْنبوا إلَّا الذي فيك أعظمُ
لك الحمدُ كلُّ الحمدِ لا مبدأٌ لهولا مُنتهى والله بالحمد أعلمُ٣
وطهارة القلب ونزاهتُه من الأوصاف المذمومة والإراداتِ السُّفليّة، وخلوُّه وتفريغُه من التّعلُّق بغيرِ الله سبحانه، هو كرسيُّ هذا الشّاهد٤ الذي
(١) البيت للمجنون في «ديوانه» (ص ٢٩٨).
(٢) «والخشية» ليست في ش.
(٣) أولهما بقافية (أفضلُ) من قصيدة للخنساء في «ديوانها» (ص ٣٢٠)، ونُسب في «الزهرة» (٢/ ٥٧٩) إلى معن بن أوس، وفي «المصون» (ص ٢١) إلى أوس بن مغراء. ولعل المصنف ضمَّنه شعره بعد تبديل القافية.
(٤) ت: «الشأن».
يجلس عليه، ومقعدُه الذي يتمكَّنُ فيه. فحرامٌ على قلبٍ متلوِّثٍ بالخبائث والأخلاق والصِّفات الذّميمة متعلِّقٍ بالمراداتِ السّافلة= أن يقوم به هذا الشّاهد أو يكون من أهله.
نَزِّهْ فؤادَك عن سِوانا وَائْتِنافجَنابُنا حِلٌّ لكلِّ مُنزِّهِ
والصَّبرُ طِلَّسمٌ لكنزِ لقائنامَن حَلَّ ذا الطِّلَّسمَ فازَ بكنزِهِ١
إذا طلعتْ شمسُ التّوحيد، وباشرت حرارتُها٢ الأرواح، ونورُها البصائر= تجلَّتْ بها ظلمات النّفس والطّبع، وتحرّكت بها الروحُ في طلب من ليس كمثله شيءٌ، فسافر القلب في بيداء الأمر، ونزل منازلَ العبوديّة منزلًا منزلًا، فهو ينتقل من عبادةٍ إلى عبادةٍ، مقيمًا على معبودٍ واحدٍ، فلا تزال شواهد الصِّفات قائمةً بقلبه، تُوقِظه إذا رقد، وتُذَكِّره إذا غَفَل، وتَحْدُو به إذا سار، وتُقِيمه إذا قعد.
إن قام بقلبه شاهدٌ من الرُّبوبيّة والقيُّوميّة: رأى أنّ الأمر كلّه لله، ليس لأحدٍ معه من الأمر شيءٌ، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهْوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٢ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾[فاطر: ٢ - ٣]، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[يونس: ١٠٧]، ﴿وَلَئِنْ
(١) أنشدهما المؤلف في «الفوائد» (ص ٤٢، ١١٢)، و«طريق الهجرتين» (٢/ ٥٧٩). وتقدما في الكتاب (٢/ ٨٧) ضمن تسعة أبيات، ولعلها من نظم المؤلف.