يجلس عليه، ومقعدُه الذي يتمكَّنُ فيه. فحرامٌ على قلبٍ متلوِّثٍ بالخبائث والأخلاق والصِّفات الذّميمة متعلِّقٍ بالمراداتِ السّافلة= أن يقوم به هذا الشّاهد أو يكون من أهله.
نَزِّهْ فؤادَك عن سِوانا وَائْتِنافجَنابُنا حِلٌّ لكلِّ مُنزِّهِ
والصَّبرُ طِلَّسمٌ لكنزِ لقائنامَن حَلَّ ذا الطِّلَّسمَ فازَ بكنزِهِ١
إذا طلعتْ شمسُ التّوحيد، وباشرت حرارتُها٢ الأرواح، ونورُها البصائر= تجلَّتْ بها ظلمات النّفس والطّبع، وتحرّكت بها الروحُ في طلب من ليس كمثله شيءٌ، فسافر القلب في بيداء الأمر، ونزل منازلَ العبوديّة منزلًا منزلًا، فهو ينتقل من عبادةٍ إلى عبادةٍ، مقيمًا على معبودٍ واحدٍ، فلا تزال شواهد الصِّفات قائمةً بقلبه، تُوقِظه إذا رقد، وتُذَكِّره إذا غَفَل، وتَحْدُو به إذا سار، وتُقِيمه إذا قعد.
إن قام بقلبه شاهدٌ من الرُّبوبيّة والقيُّوميّة: رأى أنّ الأمر كلّه لله، ليس لأحدٍ معه من الأمر شيءٌ، ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهْوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ٢ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ هَلْ مِنْ خَالِقٍ غَيْرُ اللَّهِ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ﴾[فاطر: ٢ - ٣]، ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يُرِدْكَ بِخَيْرٍ فَلَا رَادَّ لِفَضْلِهِ يُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَهُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾[يونس: ١٠٧]، ﴿وَلَئِنْ
(١) أنشدهما المؤلف في «الفوائد» (ص ٤٢، ١١٢)، و«طريق الهجرتين» (٢/ ٥٧٩). وتقدما في الكتاب (٢/ ٨٧) ضمن تسعة أبيات، ولعلها من نظم المؤلف.
وإن قام بقلبه شاهدٌ من الإلهيّة: رأى في ذلك الشاهدِ الأمرَ والنّهيَ، والنُّبوّاتِ والكتبَ والشّرائع، والمحبّة والرِّضا، والكراهة والبغض، والثّواب والعقاب، وشاهدَ١ الأمرَ نازلًا ممّن هو مستوٍ على عرشه، وأعمال العباد صاعدةٌ إليه معروضةٌ عليه، يَجزِي بالإحسان منها في هذه الدّار وفي العقبى نضرةً وسرورًا، ويَقْدَمُ إلى٢ ما لم يكن على أمره وشرْعِه منها فيجعله هباءً منثورًا.
وإن قام بقلبه شاهدٌ من الرّحمة: رأى الوجود كلَّه قائمًا بهذه الصِّفة، قد وَسِعَ مَن هي صفته كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، فانتهتْ رحمته إلى حيث انتهى علمه، فاستوى على عرشه برحمته، يَسَعُ كلَّ شيءٍ، كما وسِعَ عرشُه كلَّ شيءٍ.
وإن قام بقلبه شاهدُ العزّة والكبرياء والعظمة والجبروت: فله شأنٌ آخر.