مدارج السالكين

سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ﴾ [الزمر: ٣٨]، ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٤ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَّكَّرُونَ ٨٥ قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ ٨٦ سَيَقُولُونَ اَللَّهُ قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ ٨٧ قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ٨٨ سَيَقُولُونَ اَللَّهُ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩].

وإن قام بقلبه شاهدٌ من الإلهيّة: رأى في ذلك الشاهدِ الأمرَ والنّهيَ، والنُّبوّاتِ والكتبَ والشّرائع، والمحبّة والرِّضا، والكراهة والبغض، والثّواب والعقاب، وشاهدَ١ الأمرَ نازلًا ممّن هو مستوٍ على عرشه، وأعمال العباد صاعدةٌ إليه معروضةٌ عليه، يَجزِي بالإحسان منها في هذه الدّار وفي العقبى نضرةً وسرورًا، ويَقْدَمُ إلى٢ ما لم يكن على أمره وشرْعِه منها فيجعله هباءً منثورًا.

وإن قام بقلبه شاهدٌ من الرّحمة: رأى الوجود كلَّه قائمًا بهذه الصِّفة، قد وَسِعَ مَن هي صفته كلَّ شيءٍ رحمةً وعلمًا، فانتهتْ رحمته إلى حيث انتهى علمه، فاستوى على عرشه برحمته، يَسَعُ كلَّ شيءٍ، كما وسِعَ عرشُه كلَّ شيءٍ.

وإن قام بقلبه شاهدُ العزّة والكبرياء والعظمة والجبروت: فله شأنٌ آخر.

  1. (١) ت: «ورأى».
  2. (٢) «إلى» ليست في ش، د.
155

وهكذا جميعُ شواهد الصِّفات، وما ذكرناه أدنى تنبيهٍ عليها١، فالكشف والعيان والمشاهدة لا تتجاوز هذه الشّواهدَ البتّةَ. فلنرجِعْ إلى شرح كلامه.

فقوله في الدّرجة الثّانية: (إنّها معاينة عين القلب، وهي معرفة الشّيء على نعته)، لا يريد به معرفته على نعته الذي هو عليه في الخارج من كلِّ وجهٍ، فإنّ هذا ممتنعٌ على معرفة ما في الآخرة من المخلوقات، كما قال ابن عبّاسٍ: ليس في الدُّنيا ممّا في الآخرة إلّا الأسماء٢، فكيف بمعرفة ربِّ الأرض والسموات؟ وغايةُ المعرفة: أن يتعلَّق به على نعته على وجهٍ مجملٍ أو مفصّلٍ تفصيلًا من بعض الوجوه.

قوله: (علمًا يقطع الرِّيبة، ولا تَشُوبه حَيرةٌ)، هذا حقٌّ، فإنّ المعرفة متى شَابَها ريبةٌ أو حيرةٌ لم تكن معرفةً صحيحةً، كما أنّ رؤية العين لو شَابَها ذلك لم تكن رؤيةً تامّةً، فالمعرفة ما قطعَ الشّكَّ والرِّيبة والوساوس.

قوله: (والمعاينة الثّالثة: معاينةُ عين الرُّوح، وهي التي تُعايِن الحقَّ عيانًا محضًا).

إن أراد بالحقِّ ضدَّ الباطل، أي: تعاين ما هو حقٌّ، بحيث ينكشف لها كما ينكشف المرئيُّ للبصر= فصحيحٌ. وإن أراد بالحقِّ الرّبَّ ﵎، فإن لم يُحمَلْ كلامُه على قوّة اليقين، ومزيد الإيمان، ونزول الرُّوح في مقام

  1. (١) ت: «عليه».
  2. (٢) أخرجه مسدّد كما في «المطالب العالية» (٥٢٠٢)، وهنّاد في «الزهد» (٣، ٨)، والطبري في «تفسيره» (١/ ٤١٦)، وابن أبي حاتم في «تفسيره» (١/ ٦٦).
156

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي