السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ﴾ [النحل: ٦٥]، وقال في الماء: ﴿وَأَحْيَيْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ الْخُرُوجُ﴾[ق: ١١]، وقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا ٤٨ لِنُحْيِيَ بِهِ بَلْدَةً﴾[الفرقان: ٤٨]، وجعل هذه الحياة دليلًا على الحياة يوم المعاد. وهذه حياةٌ حقيقةٌ١ في هذه المرتبة، مستعملةٌ في كلِّ لغةٍ، جاريةٌ على ألسن الخاصّة والعامّة، قال الشّاعر يمدح عبد المطّلب:
بشَيْبةِ الحمدِ أحيا الله بلدتَنالمّا فقدْنا الحَيا واجْلَوَّذ المطرُ٢
وهذا أكثر من أن تُذكَر شواهده.
المرتبة الثانية: حياة النُّموِّ والاغتذاء. وهذه الحياة مشتركةٌ بين النّبات والحيوان الذي يعيش بالغذاء، قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾[الأنبياء: ٣٠].
وقد اختلف الفقهاء في الشُّعور: هل تحلُّها الحياة؟ على قولين٣، والصّواب: أنّها تحلُّها حياة النُّموِّ والاغتذاء، دون حياة الحسِّ والحركة،
(١) ت: «حقيقية».
(٢) البيت ضمن أبيات لِرُقَيقة بنت أبي صيفي مع خبر في «طبقات ابن سعد» (١/ ٨٩، ٩٠)، و«المنمق» لابن حبيب (ص ١٤٧)، و«المعجم الكبير» للطبراني (٢٤/ ٢٥٩ - ٢٦١)، و«معرفة الصحابة» لأبي نعيم (٥/ ٢٣٣)، و«الإصابة» (١٣/ ٣٨٤) وغيرها. واجلوَّذ المطر: ذهب وامتدَّ وقتُ تأخّره وانقطاعه.
ولهذا لا تنجس١ بالموت، إذ لو أوجب لها فراقُ النُّموِّ والاغتذاء النّجاسةَ لنجس الزّرع والشّجر بيُبْسِه، لمفارقة هذه الحياة له، ولهذا كان الجمهور على أنّ الشُّعور لا تنجس بالموت.
فصل
المرتبة الثّالثة: حياة الحيوان المتغذِّي٢ بقدرٍ زائدٍ على نموِّه واغتذائه، وهو إحساسه وحركته، ولهذا يألم بورود الكيفيّات المؤلمة عليه وبتفرُّقِ٣ الاتِّصال ونحو ذلك. وهذه الحياة فوق حياة النّبات، وهذه الحياة تقوى وتضعُف في الحيوان الواحد بحسب أحواله، فحياته بعد الولادة أكملُ منها وهو جنينٌ في بطن أمِّه، وحياته وهو صحيحٌ مُعافًى أكملُ منها وهو سقيمٌ عليلٌ. فنفسُ هذه الحياة تتفاوت تفاوتًا عظيمًا في محالِّها، فحياة الحيّة أكملُ من حياة البعوض، ومن قال غير هذا فقد كابر الحسّ والعقل.
فصل
المرتبة الرّابعة: حياة الحيوان الذي لا يتغذَّى٤ بالطّعام والشّراب، كحياة الملائكة، وحياة الأرواح بعد مفارقتها الأبدانَ، فإنّ حياتها أكملُ من حياة الحيوان المتغذِّي٥، ولهذا لا يَلحقُها كلالٌ ولا فتورٌ، ولا نومٌ ولا