مدارج السالكين

ولهذا لا تنجس١ بالموت، إذ لو أوجب لها فراقُ النُّموِّ والاغتذاء النّجاسةَ لنجس الزّرع والشّجر بيُبْسِه، لمفارقة هذه الحياة له، ولهذا كان الجمهور على أنّ الشُّعور لا تنجس بالموت.

فصل

المرتبة الثّالثة: حياة الحيوان المتغذِّي٢ بقدرٍ زائدٍ على نموِّه واغتذائه، وهو إحساسه وحركته، ولهذا يألم بورود الكيفيّات المؤلمة عليه وبتفرُّقِ٣ الاتِّصال ونحو ذلك. وهذه الحياة فوق حياة النّبات، وهذه الحياة تقوى وتضعُف في الحيوان الواحد بحسب أحواله، فحياته بعد الولادة أكملُ منها وهو جنينٌ في بطن أمِّه، وحياته وهو صحيحٌ مُعافًى أكملُ منها وهو سقيمٌ عليلٌ. فنفسُ هذه الحياة تتفاوت تفاوتًا عظيمًا في محالِّها، فحياة الحيّة أكملُ من حياة البعوض، ومن قال غير هذا فقد كابر الحسّ والعقل.

فصل

المرتبة الرّابعة: حياة الحيوان الذي لا يتغذَّى٤ بالطّعام والشّراب، كحياة الملائكة، وحياة الأرواح بعد مفارقتها الأبدانَ، فإنّ حياتها أكملُ من حياة الحيوان المتغذِّي٥، ولهذا لا يَلحقُها كلالٌ ولا فتورٌ، ولا نومٌ ولا

  1. (١) ت: «لا يتنجس».
  2. (٢) ت: «المغتذي».
  3. (٣) د، ر: «ويتفرق».
  4. (٤) ت: «لا يغتذي».
  5. (٥) ت: «المغتذي».
164

إعياءٌ، قال تعالى: ﴿يُسَبِّحُونَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفْتُرُونَ﴾ [الأنبياء: ٢٠]. وكذا الأرواح إذا تخلَّصتْ من هذه الأبدان وتجرّدتْ صارتْ لها حياةٌ أخرى أكملُ من هذه إن كانت سعيدةً، وإن كانت شقيّةً كانت عاملةً ناصبةً في العذاب.

فصل

المرتبة الخامسة: الحياة التي أشار إليها المصنِّف، وهي حياة العلم من موت الجهل، فإنّ الجهل موتٌ لأصحابه، كما قيل١:

وفي الجهل قبلَ الموت موتٌ لأهلهوأجسامُهم قبلَ القبورِ قبورُ
وأرواحُهم في وحشةٍ من جُسومِهموليس لهم حتّى النُّشور نُشورُ

فالجاهل ميِّت القلب والرُّوح وإن كان حيَّ البدن، فجسدُه قبرٌ يمشي به٢ على وجه الأرض، قال تعالى: ﴿أَوَمَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ كَمَنْ مَثَلُهُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا﴾ [الأنعام: ١٢٢]، وقال تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُبِينٌ ٦٩ لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيًّا وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ [يس: ٦٩ - ٧٠]، وقال تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ﴾ [النمل: ٨٠]، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢]. شَبَّههم في موت قلوبهم بأهل القبور، فإنّهم قد ماتت أرواحهم، وصارت أجسامهم٣ قبورًا لها، فكما لا يسمع أصحاب القبور لا

  1. (١) تقدَّم البيتان في الكتاب (٣/ ٢١٧).
  2. (٢) «به» ليست في ش، ت.
  3. (٣) ت: «أجسادهم».
165

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي