مدارج السالكين

يسمع هؤلاء، وإذا كانت الحياة بين الحسِّ والحركة وملزومهما، فهذه القلوب لمّا لم تُحِسَّ بالعلم والإيمان ولم تتحرّك له= كانت ميتةً حقيقةً، وليس هذا تشبيهًا بموت البدن، بل ذلك موت القلب والرُّوح.

وقد ذكر الإمام أحمد في كتاب «الزُّهد»١ من كلام لقمان، أنّه قال لابنه: جالسِ العلماءَ، وزَاحِمْهم بركبتيك، فإنّ الله يُحيِي القلوبَ بنور الحكمة، كما يُحِيي الأرضَ بوابلِ القَطْر.

وقال معاذ بن جبلٍ: تعلَّموا العلمَ، فإنّ تعلُّمه لله خشيةٌ، وطلبه عبادةٌ، ومذاكرتهٌ تسبيحٌ، والبحث عنه جهادٌ، وتعليمه لمن لا يعلمه صدقةٌ، وبذْله لأهله قربةٌ؛ لأنّه مَعالمُ الحلال والحرام، ومنار سبيل أهل الجنّة، وهو الأنيس في الوحشة، والصّاحب في الغربة، والمحدِّث في الخلوة، والدّليل على السّرّاء والضّرّاء، والسِّلاح على الأعداء، والزَّين عند الأخلّاء، يرفع الله به أقوامًا، فيجعلهم في الخير قادةً، فإنّه تُقتصُّ آثارُهم٢، ويُقتدى بفعالهم، ويُنتهى إلى رأيهم، ترغب الملائكة في خُلَّتهم، وبأجنحتها تمسحُهم، يستغفر لهم كلُّ رَطْبٍ ويابسٍ، وحيتانُ البحر وهوامُّه، وسباع البَرِّ وأنعامه؛ لأنّ العلم حياة القلوب من الجهل، ومصابيح الأبصار من الظُّلَم، يبلُغ العبد بالعلم منازلَ الأخيار والدّرجاتِ العلى في الدُّنيا والآخرة، التّفكُّر فيه يَعدِلُ الصِّيام، ومدارسته تَعدِلُ القيام، به تُوصَل الأرحام، وبه يُعرَف الحلال من الحرام، وهو إمام العمل، والعمل تابعُه، يُلْهَمُه السُّعداء، ويُحْرَمُه الأشقياء. رواه

  1. (١) رقم (٥٥٩). وأخرجه أيضًا ابن المبارك في «الزهد» (١٣٨٧)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٤٣٨، ٤٣٩). وذكره مالك في «الموطأ» (٢٨٥٩) بلاغًا.
  2. (٢) «آثارهم» ليست في ش، د.
166

الطبرانيُّ وابن عبد البرِّ وغيرهما١، وقد روي مرفوعًا إلى النّبيِّ ﷺ٢، والموقوف أصحُّ٣.

والمقصود قوله: «لأنّ العلم حياة القلوب من الجهل»، فالقلب ميِّتٌ، وحياته بالعلم والإيمان.

فصل

المرتبة السّادسة: حياة الإرادة والهمّة والمحبة، فإنّ فتور الهمَّة وضعف الإرادة والطّلب من ضعف حياة القلب، وكلّما كان القلب أتمَّ حياةً كانت همّته أعلى، وإرادته ومحبّته أقوى، فإنّ الإرادة والمحبّة تتبع٤ الشُّعور بالمراد المحبوب، وسلامة القلب من الآفة التي تحول بينه وبين طلبه وإرادته، فضعفُ الطّلب وفتورُ الهمّة إمّا من نقصان الشُّعور والإحساس، وإمّا من وجود الآفة المُضعِفة للحياة، فقوّةُ الشُّعور وقوّةُ الإرادة دليلٌ على قوّة الحياة، وضعفهما دليلٌ على ضعفها. وكما أنّ علوّ الهمّة وصدق الإرادة

  1. (١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٣٨)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٢٤٠). ولم أجده في معاجم الطبراني الثلاثة، ولعله رواه في كتاب «العلم» له الذي ذكره أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن مندة في ترجمته الملحقة بـ «المعجم الكبير» (٢٥/ ٣٦١).
  2. (٢) رواه مرفوعًا ابن عبد البر في «الجامع» (١/ ٢٣٩)، والخطيب في «المتفق والمفترق» (١/ ٣٢٦) بإسنادين ضعيفين. قال ابن عبد البر: هو حديث حسن جدًّا، ولكن ليس له إسناد قوي.
  3. (٣) انظر: «مجموع الفتاوى» (٤/ ١٠٩)، و«مفتاح دار السعادة» (١/ ٣٣٧).
  4. (٤) ث: «تقتضي».
167

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي