الطبرانيُّ وابن عبد البرِّ وغيرهما١، وقد روي مرفوعًا إلى النّبيِّ ﷺ٢، والموقوف أصحُّ٣.
والمقصود قوله: «لأنّ العلم حياة القلوب من الجهل»، فالقلب ميِّتٌ، وحياته بالعلم والإيمان.
فصل
المرتبة السّادسة: حياة الإرادة والهمّة والمحبة، فإنّ فتور الهمَّة وضعف الإرادة والطّلب من ضعف حياة القلب، وكلّما كان القلب أتمَّ حياةً كانت همّته أعلى، وإرادته ومحبّته أقوى، فإنّ الإرادة والمحبّة تتبع٤ الشُّعور بالمراد المحبوب، وسلامة القلب من الآفة التي تحول بينه وبين طلبه وإرادته، فضعفُ الطّلب وفتورُ الهمّة إمّا من نقصان الشُّعور والإحساس، وإمّا من وجود الآفة المُضعِفة للحياة، فقوّةُ الشُّعور وقوّةُ الإرادة دليلٌ على قوّة الحياة، وضعفهما دليلٌ على ضعفها. وكما أنّ علوّ الهمّة وصدق الإرادة
(١) أخرجه أبو نعيم في «الحلية» (١/ ٢٣٨)، وابن عبد البر في «جامع بيان العلم» (١/ ٢٤٠). ولم أجده في معاجم الطبراني الثلاثة، ولعله رواه في كتاب «العلم» له الذي ذكره أبو زكريا يحيى بن عبد الوهاب بن مندة في ترجمته الملحقة بـ «المعجم الكبير» (٢٥/ ٣٦١).
(٢) رواه مرفوعًا ابن عبد البر في «الجامع» (١/ ٢٣٩)، والخطيب في «المتفق والمفترق» (١/ ٣٢٦) بإسنادين ضعيفين. قال ابن عبد البر: هو حديث حسن جدًّا، ولكن ليس له إسناد قوي.
والطّلب من كمال الحياة، فهو سببٌ إلى حصول أكمل الحياة وأطيبها١، فإنّ الحياة الطّيِّبة إنّما تُنال بالهمّة العالية، والمحبّة الصّادقة، والإرادة الخالصة، فعلى قدْرِ ذلك تكون الحياة الطّيِّبة. وأخسُّ النّاس حياةً أخسُّهم همّةً وأضعفُهم محبّةً وطلبًا، وحياة البهائم خيرٌ من حياته، كما قيل٢:
نهارُك يا مغرورُ لهْوٌ وغفلةٌ ... وليلك نومٌ والرَّدَى لك لازمُ ... تُسَرُّ بما يَفنى وتَفْرَحُ بالمُنى ... كما غُرَّ باللّذّاتِ في النّوم حالمُ٣
وتكدَحُ فيما سوفَ تَسخَطُ٤ غِبَّهكذلك في الدُّنيا تعيش البهائمُ
والمقصود: أنّ حياة القلب بالعلم والإرادة والهمّة، والنّاس إذا شاهدوا ذلك من الرجل قالوا: هو حيُّ القلب، وحياة القلب بدوامِ الذِّكر وتركِ الذُّنوب، كما قال عبد الله بن المبارك٥ رحمة الله ورضوانه عليه:
(١) «وأطيبها» ليست في ر.
(٢) الأبيات لعمر بن عبد العزيز ﵀ في «عيون الأخبار» (٢/ ٣٠٩)، و«المجالسة» للدينوري (٢/ ٤٢٤)، و«حلية الأولياء» (٥/ ٢٦٣، ٣١٩)، و«أدب الدنيا والدين» (ص ١٨٥)، و«بهجة المجالس» (٢/ ٣٢٤)، و«تاريخ دمشق» (٤٥/ ٢٤٣، ٢٤٤) وغيرها، وفي بعضها أنه كان يتمثل بها. ونُسبت لمسعر بن كدام في «حلية الأولياء» (٧/ ٢٢٠)، و«سير أعلام النبلاء» (٧/ ١٦٦)، ولابن عبد الأعلى في «سيرة عمر بن عبد العزيز» لابن الجوزي (ص ٢٢٥)، و«الحماسة البصرية» (٤/ ١٦٨٢).