مدارج السالكين

والطّلب من كمال الحياة، فهو سببٌ إلى حصول أكمل الحياة وأطيبها١، فإنّ الحياة الطّيِّبة إنّما تُنال بالهمّة العالية، والمحبّة الصّادقة، والإرادة الخالصة، فعلى قدْرِ ذلك تكون الحياة الطّيِّبة. وأخسُّ النّاس حياةً أخسُّهم همّةً وأضعفُهم محبّةً وطلبًا، وحياة البهائم خيرٌ من حياته، كما قيل٢:

نهارُك يا مغرورُ لهْوٌ وغفلةٌ ... وليلك نومٌ والرَّدَى لك لازمُ ... تُسَرُّ بما يَفنى وتَفْرَحُ بالمُنى ... كما غُرَّ باللّذّاتِ في النّوم حالمُ٣

وتكدَحُ فيما سوفَ تَسخَطُ٤ غِبَّهكذلك في الدُّنيا تعيش البهائمُ

والمقصود: أنّ حياة القلب بالعلم والإرادة والهمّة، والنّاس إذا شاهدوا ذلك من الرجل قالوا: هو حيُّ القلب، وحياة القلب بدوامِ الذِّكر وتركِ الذُّنوب، كما قال عبد الله بن المبارك٥ رحمة الله ورضوانه عليه:

  1. (١) «وأطيبها» ليست في ر.
  2. (٢) الأبيات لعمر بن عبد العزيز ﵀ في «عيون الأخبار» (٢/ ٣٠٩)، و«المجالسة» للدينوري (٢/ ٤٢٤)، و«حلية الأولياء» (٥/ ٢٦٣، ٣١٩)، و«أدب الدنيا والدين» (ص ١٨٥)، و«بهجة المجالس» (٢/ ٣٢٤)، و«تاريخ دمشق» (٤٥/ ٢٤٣، ٢٤٤) وغيرها، وفي بعضها أنه كان يتمثل بها. ونُسبت لمسعر بن كدام في «حلية الأولياء» (٧/ ٢٢٠)، و«سير أعلام النبلاء» (٧/ ١٦٦)، ولابن عبد الأعلى في «سيرة عمر بن عبد العزيز» لابن الجوزي (ص ٢٢٥)، و«الحماسة البصرية» (٤/ ١٦٨٢).
  3. (٣) هذا البيت ساقط من د، ت.
  4. (٤) ر: «تكره».
  5. (٥) «ديوانه» (ص ٢٦)، و«المجالسة» للدينوري (٢/ ٣٠)، و«حلية الأولياء» (٨/ ٢٧٩)، و«جامع بيان العلم» (١/ ٣٢٧)، و«الجامع لشعب الإيمان» (٥/ ٤٦٤)، و«بهجة المجالس» (٣/ ٣٣٤)، و«تاريخ دمشق» (٣٢/ ٤٦٧، ٤٦٨).
168
رأيتُ الذُّنوبَ تُمِيتُ القلوبوقد يُورِثُ الذُّلَّ إدمانُها
وتركُ الذُّنوبِ حياةُ القلوبوخيرٌ لنفسكَ عِصيانُها١

وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيميّة يقول: من واظبَ على «يا حيُّ يا قيُّوم، لا إله إلّا أنت» كلّ يومٍ بين سنّة الفجر وصلاة الفجر٢ أربعين مرّةً أحيى الله قلبه٣.

وكما أنّ الله سبحانه جعل حياة البدن بالطّعام والشّراب، فحياة القلب بدوام الذِّكر، والإنابة إلى الله، وترك الذُّنوب. والغفلةُ الجاثمة٤ على القلب والتّعلُّقُ بالرّذائل والشّهوات المنقطعة عن قُربٍ تُضعِف هذه الحياة، ولا يزال الضّعف يتوالى عليه حتّى يموت، وعلامةُ موته: أنّه لا يعرف معروفًا ولا يُنكِر منكرًا، كما قال عبد الله بن مسعودٍ: أتدرون مَن ميِّتُ الأحياء الذي قيل فيه:

ليس مَن ماتَ فاستراحَ بميْتٍإنّما الميْتُ ميِّتُ الأحياء

قالوا: ومن هو؟ قال: الذي٥ لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا٦.

  1. (١) بعدها في المطبوع ثلاثة أبيات ليست في الأصول إلّا في ر، وهي:
    وهل أفسد الدينَ إلّا الملوك ... وأحبار سوءٍ ورهبانُها
    وباعوا النفوسَ ولم يَربَحوا ... ولم يغْلُ في البيع أثمانُها
    لقد رتَعَ القوم في جِيفةٍ ... يَبينُ لذي اللُّبِّ خسرانُها
  2. (٢) ت: «الصبح».
  3. (٣) تقدم ذكره في الكتاب (٢/ ٧٨).
  4. (٤) ش، د: «الجامة».
  5. (٥) د: «من».
  6. (٦) رُوي عن حذيفة بن اليمان ﵁، أخرجه البيهقي في «الشعب» (١٠١٨٨)، ورواه مختصرًا ابن أبي شيبة (٣٨٧٣٢)، والبيهقي في «الشعب» (٧١٨٤). وعزاه شيخ الإسلام في «الاستقامة» (٢/ ٢١٢) إلى ابن مسعود كما هنا. وفي «مختصر الفتاوى المصرية» (ص ٥٨٠) عزاه إلى بعض السلف. والبيت لعديّ بن الرعلاء الشاعر الجاهلي من قصيدة له في «الأصمعيات» (ص ١٧١)، و«خزانة الأدب» (٤/ ١٨٧، ١٨٨).
169

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي