مدارج السالكين
رأيتُ الذُّنوبَ تُمِيتُ القلوبوقد يُورِثُ الذُّلَّ إدمانُها
وتركُ الذُّنوبِ حياةُ القلوبوخيرٌ لنفسكَ عِصيانُها١

وسمعتُ شيخ الإسلام ابن تيميّة يقول: من واظبَ على «يا حيُّ يا قيُّوم، لا إله إلّا أنت» كلّ يومٍ بين سنّة الفجر وصلاة الفجر٢ أربعين مرّةً أحيى الله قلبه٣.

وكما أنّ الله سبحانه جعل حياة البدن بالطّعام والشّراب، فحياة القلب بدوام الذِّكر، والإنابة إلى الله، وترك الذُّنوب. والغفلةُ الجاثمة٤ على القلب والتّعلُّقُ بالرّذائل والشّهوات المنقطعة عن قُربٍ تُضعِف هذه الحياة، ولا يزال الضّعف يتوالى عليه حتّى يموت، وعلامةُ موته: أنّه لا يعرف معروفًا ولا يُنكِر منكرًا، كما قال عبد الله بن مسعودٍ: أتدرون مَن ميِّتُ الأحياء الذي قيل فيه:

ليس مَن ماتَ فاستراحَ بميْتٍإنّما الميْتُ ميِّتُ الأحياء

قالوا: ومن هو؟ قال: الذي٥ لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا٦.

  1. (١) بعدها في المطبوع ثلاثة أبيات ليست في الأصول إلّا في ر، وهي:
    وهل أفسد الدينَ إلّا الملوك ... وأحبار سوءٍ ورهبانُها
    وباعوا النفوسَ ولم يَربَحوا ... ولم يغْلُ في البيع أثمانُها
    لقد رتَعَ القوم في جِيفةٍ ... يَبينُ لذي اللُّبِّ خسرانُها
  2. (٢) ت: «الصبح».
  3. (٣) تقدم ذكره في الكتاب (٢/ ٧٨).
  4. (٤) ش، د: «الجامة».
  5. (٥) د: «من».
  6. (٦) رُوي عن حذيفة بن اليمان ﵁، أخرجه البيهقي في «الشعب» (١٠١٨٨)، ورواه مختصرًا ابن أبي شيبة (٣٨٧٣٢)، والبيهقي في «الشعب» (٧١٨٤). وعزاه شيخ الإسلام في «الاستقامة» (٢/ ٢١٢) إلى ابن مسعود كما هنا. وفي «مختصر الفتاوى المصرية» (ص ٥٨٠) عزاه إلى بعض السلف. والبيت لعديّ بن الرعلاء الشاعر الجاهلي من قصيدة له في «الأصمعيات» (ص ١٧١)، و«خزانة الأدب» (٤/ ١٨٧، ١٨٨).
169

والرّجل هو الذي يخاف موتَ قلبه لا موتَ بدنه، إذ أكثر هذا الخلق يخافون موت أبدانهم، ولا يبالون بموت قلوبهم، ولا يعرفون من الحياة إلّا الحياة الطّبيعيّة، وذلك من موت القلب والرُّوح، فإنّ هذه الحياة الطّبيعيّة شبيهةٌ بالظِّلِّ الزّائل، والنّبات السّريع الجفوف١، والمنام الذي يتخيَّل رائيه أنَّه حقيقةٌ، فإذا استيقظ عَرف أنّه كان خيالًا. كما قال عمر بن الخطّاب: لو أنّ الحياة الدُّنيا من أوّلها إلى آخرها أُوتِيَها رجلٌ واحدٌ، ثمّ جاءه الموت= لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يَسُرُّه ثمّ استيقظ، فإذا ليس في يده شيءٌ٢.

وقد قيل: إنّ الموت موتانِ: موتٌ إراديٌّ، وموتٌ طبيعيٌّ٣، فمن أمات نفسَه موتًا إراديًّا كان موته الطّبيعيُّ حياةً له. ومعنى هذا أنّ الموت الإراديّ هو قمْعُ الشّهوات المُردِية، وإخمادُ نيرانها المُحرِقة، وتسكينُ هوائجها المُتلِفة، فحينئذٍ يتفرّغ القلب والرُّوح للتّفكُّر فيما فيه كمالُ العبد ومعرفتُه والاشتغالُ به، ويرى حينئذٍ أنّ إيثار الظِّلِّ الزّائل عن قريبٍ على العيش اللّذيذ الدّائم أخسرُ الخسران. فأمّا إذا كانت الشّهوات واقدةً٤، واللّذّات مُؤثَرةً،

  1. (١) «والنبات السريع الجفوف» ليست في ت.
  2. (٢) تقدم في الكتاب (٣/ ٤٩٣).
  3. (٣) انظر: «تهذيب الأخلاق» لمسكويه (ص ٢١٩).
  4. (٤) أي مشتعلة.
170

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي