مدارج السالكين

والرّجل هو الذي يخاف موتَ قلبه لا موتَ بدنه، إذ أكثر هذا الخلق يخافون موت أبدانهم، ولا يبالون بموت قلوبهم، ولا يعرفون من الحياة إلّا الحياة الطّبيعيّة، وذلك من موت القلب والرُّوح، فإنّ هذه الحياة الطّبيعيّة شبيهةٌ بالظِّلِّ الزّائل، والنّبات السّريع الجفوف١، والمنام الذي يتخيَّل رائيه أنَّه حقيقةٌ، فإذا استيقظ عَرف أنّه كان خيالًا. كما قال عمر بن الخطّاب: لو أنّ الحياة الدُّنيا من أوّلها إلى آخرها أُوتِيَها رجلٌ واحدٌ، ثمّ جاءه الموت= لكان بمنزلة من رأى في منامه ما يَسُرُّه ثمّ استيقظ، فإذا ليس في يده شيءٌ٢.

وقد قيل: إنّ الموت موتانِ: موتٌ إراديٌّ، وموتٌ طبيعيٌّ٣، فمن أمات نفسَه موتًا إراديًّا كان موته الطّبيعيُّ حياةً له. ومعنى هذا أنّ الموت الإراديّ هو قمْعُ الشّهوات المُردِية، وإخمادُ نيرانها المُحرِقة، وتسكينُ هوائجها المُتلِفة، فحينئذٍ يتفرّغ القلب والرُّوح للتّفكُّر فيما فيه كمالُ العبد ومعرفتُه والاشتغالُ به، ويرى حينئذٍ أنّ إيثار الظِّلِّ الزّائل عن قريبٍ على العيش اللّذيذ الدّائم أخسرُ الخسران. فأمّا إذا كانت الشّهوات واقدةً٤، واللّذّات مُؤثَرةً،

  1. (١) «والنبات السريع الجفوف» ليست في ت.
  2. (٢) تقدم في الكتاب (٣/ ٤٩٣).
  3. (٣) انظر: «تهذيب الأخلاق» لمسكويه (ص ٢١٩).
  4. (٤) أي مشتعلة.
170

والعوائد غالبةً، والطّبيعة حاكمةً= فالقلب حينئذٍ إمّا أن يكون أسيرًا ذليلًا، أو مهزومًا مُخرَجًا عن وطنه ومستقرِّه الذي لا قرار له إلّا فيه، أو قتيلًا ميِّتًا، ما لِجُرحٍ به إيلامٌ. وأحسن أحواله أن يكون في حربٍ، يُدَال١ فيها مرّةً، ويُدَال عليه مرّةً. فإذا مات العبد موته الطّبيعيّ كانت بعده حياة روحه بتلك العلوم النّافعة، والأعمال الصّالحة، والأحوال الفاضلة، التي حصلت له بإماتة نفسه، فتكون حياته هاهنا على حسب موته الإراديِّ في هذه الدّار.

وهذا موضعٌ لا يفهمه إلّا أَلِبَّاء النّاس وعقلاؤهم، ولا يعملُ بمقتضاه إلّا أهلُ الهِمم العليّة والنُّفوسُ الزّكيّة الأبيّة.

فصل

المرتبة السّابعة من مراتب الحياة: حياة الأخلاق والصِّفات المحمودة، التي هي هيآتٌ راسخةٌ للموصوف بها، فهو لا يتكلَّف التّرقِّيَ في درجات الكمال، ولا تَشُقُّ عليه، لاقتضاء أخلاقه وصفاته لذلك، بحيث لو فارقه لفارقَ ما هو من طبيعته وسجيّته. فحياةُ من قد طُبِع على الحياء والعفّة والجود والسّخاء والمروءة والصِّدق والوفاء ونحوها أتمُّ من حياة من يَقْهَر نفسَه ويُغالِب طبعَه حتّى يكون كذلك، فإنّ هذا بمنزلة من يُعارِضه أسباب الردى وهو يعالجها ويَقمَعُها بأضدادها، وذلك بمنزلة من قد عُوفِيَ من ذلك.

وكلّما كانت هذه الأخلاق في صاحبها أكملَ كانت حياته أقوى وأتمَّ، ولهذا كان خُلق الحياء مشتقًّا من الحياة اسمًا وحقيقةً، فأكمل النّاس حياةً

  1. (١) في المطبوع بعدها: «له». وليست في النسخ.
171

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي