مدارج السالكين

أكملُهم حياءً، ونقصان حياء المرء من نقصان حياته، فإنّ الرُّوح إذا ماتت لم تحسّ بما يُؤلِمها من القبائح، فلا تستحيي منها، وإذا كانت صحيحة الحياة أحسَّتْ بذلك فاستحيتْ منه. وكذلك سائر الأخلاق الفاضلة والصِّفات الممدوحة تابعةٌ لقوّة الحياة، وضدُّها من نقصان الحياة، ولهذا كانت حياة الشُّجاع أكملَ من حياة الجبان، وحياة السّخيِّ أكمل من حياة البخيل، وحياة الفَطِن الذّكيِّ أكمل من حياة الفَدْم البليد. ولهذا لمّا كانت الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أكملَ النّاس حياةً حتّى إنّ قوّة حياتهم منعَ الأرضَ أن تُبلِي أجسادهم= كانوا أكملَ النّاس في هذه الأخلاق، ثمّ الأمثل فالأمثل من أتباعهم.

فانظر الآن إلى حياة ﴿حَلَّافٍ مَهِينٍ ١٠ هَمَّازٍ مَشَّاءٍ بِنَمِيمٍ ١١ مَنَّاعٍ لِلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ ١٢ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ﴾ [القلم: ١٠ - ١٣]، وحياة جوادٍ شجاعٍ بَرٍّ عادلٍ عفيفٍ محسنٍ، تَجدِ الأوّلَ ميِّتًا بالنِّسبة إلى الثّاني، ولله درُّ١ القائل:

وما للمرء خيرٌ في حياةٍإذا ما عُدَّ من سَقَطِ المتاعِ٢

فصل

المرتبة الثّامنة من مراتب الحياة: حياة الفرح والسُّرور وقرّة العين، وهذه الحياة إنّما تكون بعد الظّفر بالمطلوب الذي تَقَرُّ به عينُ طالبه، فلا حياة نافعةً

  1. (١) «در» ليست في ش، ت.
  2. (٢) البيت لقطري بن الفجاءة من مقطوعة له في «الحماسة» (١/ ١٦١)، و«أمالي المرتضى» (١/ ٦٣٦، ٦٣٧)، و«وفيات الأعيان» (٤/ ٩٣، ٩٤) وغيرها. وأنشدها المؤلف في «الفروسية» (ص ٤٥٨).
172

له بدونه، وحول هذه الحياة يُدندِن النّاس كلُّهم، وكلُّهم قد أخطأ طريقَها، وسلك طرقًا لا تُفضِي إليها، بل تقطعه عنها، إلّا أقلّ القليل. فدارَ طلبُ الكلِّ حول هذه الحياة، وحُرِمَها أكثرهم.

وسبب حرمانها: ضعف العقل والتّمييز والبصيرة، وضعف الهمّة والإرادة، فإنّ مادّتها بصيرةٌ وقَّادةٌ، وهمّةٌ نَفَّاذة، والبصيرة كالبصر تكون عمياءَ وعوراءَ وعَمْشاء ورَمْدَاءَ، وتامّةَ النُّور والضِّياء، وهذه الآفات قد تكون لها بالخِلقة في الأصل، وقد تحدُثُ فيها بالعوارض الكسبيّة.

والمقصود: أنّ هذه المرتبة من مراتب الحياة هي١ أعلى مراتبها، ولكن كيف يصل إليها مَن عقلُه مَسْبِيٌّ في بلاد الشّهوات، وأملُه موقوفٌ على اجتناء اللّذّات، وسيرته جاريةٌ على أسوأ العادات، ودينه مستهلكٌ بالمعاصي والمخالفات، وهمّته واقفةٌ مع السُّفْلِيّات، وعقيدته غير متلقّاةٍ من مشكاة النُّبوّات؟!

فهو في الشّهوات منغمسٌ، وفي الشُّبهات منتكسٌ، وعن النّاصح معرضٌ، وعلى المرشد معترضٌ، وعن السُّرَى نائمٌ، وقلبه في كلِّ وادٍ هائمٌ. فلو أنّه تجرّد من نفسه، ورغِبَ عن مشاركة أبناء جنسه، وخرج من ضيق الجهل إلى فضاء العلم، ومن سجْنِ الهوى إلى ساحة الهدى، ومن نجاسة النّفس إلى طهارة القدس= لرأى الإلْفَ الذي نشأ بنشأته، وزاد بزيادته، وقوي بقوّته، وشَرُفَ عند نفسه وأبناء جنسه بحصوله، قذًى٢ في عين بصيرته، وشَجًا في

  1. (١) «هي» ليست في ش.
  2. (٢) مفعول «لرأى».
173

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي