مدارج السالكين

له بدونه، وحول هذه الحياة يُدندِن النّاس كلُّهم، وكلُّهم قد أخطأ طريقَها، وسلك طرقًا لا تُفضِي إليها، بل تقطعه عنها، إلّا أقلّ القليل. فدارَ طلبُ الكلِّ حول هذه الحياة، وحُرِمَها أكثرهم.

وسبب حرمانها: ضعف العقل والتّمييز والبصيرة، وضعف الهمّة والإرادة، فإنّ مادّتها بصيرةٌ وقَّادةٌ، وهمّةٌ نَفَّاذة، والبصيرة كالبصر تكون عمياءَ وعوراءَ وعَمْشاء ورَمْدَاءَ، وتامّةَ النُّور والضِّياء، وهذه الآفات قد تكون لها بالخِلقة في الأصل، وقد تحدُثُ فيها بالعوارض الكسبيّة.

والمقصود: أنّ هذه المرتبة من مراتب الحياة هي١ أعلى مراتبها، ولكن كيف يصل إليها مَن عقلُه مَسْبِيٌّ في بلاد الشّهوات، وأملُه موقوفٌ على اجتناء اللّذّات، وسيرته جاريةٌ على أسوأ العادات، ودينه مستهلكٌ بالمعاصي والمخالفات، وهمّته واقفةٌ مع السُّفْلِيّات، وعقيدته غير متلقّاةٍ من مشكاة النُّبوّات؟!

فهو في الشّهوات منغمسٌ، وفي الشُّبهات منتكسٌ، وعن النّاصح معرضٌ، وعلى المرشد معترضٌ، وعن السُّرَى نائمٌ، وقلبه في كلِّ وادٍ هائمٌ. فلو أنّه تجرّد من نفسه، ورغِبَ عن مشاركة أبناء جنسه، وخرج من ضيق الجهل إلى فضاء العلم، ومن سجْنِ الهوى إلى ساحة الهدى، ومن نجاسة النّفس إلى طهارة القدس= لرأى الإلْفَ الذي نشأ بنشأته، وزاد بزيادته، وقوي بقوّته، وشَرُفَ عند نفسه وأبناء جنسه بحصوله، قذًى٢ في عين بصيرته، وشَجًا في

  1. (١) «هي» ليست في ش.
  2. (٢) مفعول «لرأى».
173

حلق إيمانه، ومرضًا متراميًا إلى هلاكه.

فإن قلت: قد أشرتَ إلى حياةٍ غير معهودةٍ بين أموات الأحياء، فهل يمكنك وصفُ طريقها، لأصِلَ إلى شيءٍ من ذوقها، فقد بان لي أنّ ما نحن فيه من الحياة حياةٌ بهيميّةٌ، ربّما زادت علينا فيه البهائم بخلوِّها من المنكِّدات والمنغِّصات وسلامةِ العاقبة؟

قلت: لعمر الله إنّ اشتياقَ القلب إلى هذه الحياة، وطلبَ علمِها ومعرفتها= دليلٌ على حياته، وأنه ليس من جملة الأموات.

فأوّل طريقها: أن تعرف الله سبحانه، وتهتدي إليه طريقًا يُوصِلك إليه، ويَخْرِق ظلماتِ الطّبع بأشعّة البصيرة، فيقوم بقلبه شاهدٌ من شواهد الآخرة، فينجذب إليها بكلِّيّته، ويَزْهَد في التّعلُّقات الفانية، ويَدْأَب في تصحيح التّوبة، والقيامِ بالمأمورات الظّاهرة والباطنة، وتركِ المنهيّات الظّاهرة والباطنة، ثمّ يقوم حارسًا على قلبه، فلا يسامحه بخَطْرةٍ يكرهها الله، ولا بخَطْرةِ فضولٍ لا تنفعه، فيصفو١ بذلك قلبه عن حديث النّفس ووساوسها، فيُفْدَى من أَسْرِها ويصير طليقًا، فحينئذٍ يخلو قلبه بذكر ربِّه ومحبّته والإنابة إليه، ويخرج من بين بيوت طَبْعِه ونفسه إلى فضاء الخلوة بربِّه وذكْرِه، كما قال:

وأخرجُ من بين البيوتِ لعلَّنيأحدِّثُ عنك النّفسَ في السِّرِّ خَاليَا٢

فحينئذٍ يجتمع قلبه وخواطره وحديثُ نفسه على إرادة ربِّه، وطلبِه

  1. (١) ر: «فيضعف».
  2. (٢) البيت للمجنون في «ديوانه» (ص ٢٩٤، ٣٠١، ٣١٤) من قصيدة طويلة، وهناك التخريج وبيان اختلاف النسبة. وتقدم البيت فيما مضى (٣/ ٤٤٥).
174

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي