مدارج السالكين

حلق إيمانه، ومرضًا متراميًا إلى هلاكه.

فإن قلت: قد أشرتَ إلى حياةٍ غير معهودةٍ بين أموات الأحياء، فهل يمكنك وصفُ طريقها، لأصِلَ إلى شيءٍ من ذوقها، فقد بان لي أنّ ما نحن فيه من الحياة حياةٌ بهيميّةٌ، ربّما زادت علينا فيه البهائم بخلوِّها من المنكِّدات والمنغِّصات وسلامةِ العاقبة؟

قلت: لعمر الله إنّ اشتياقَ القلب إلى هذه الحياة، وطلبَ علمِها ومعرفتها= دليلٌ على حياته، وأنه ليس من جملة الأموات.

فأوّل طريقها: أن تعرف الله سبحانه، وتهتدي إليه طريقًا يُوصِلك إليه، ويَخْرِق ظلماتِ الطّبع بأشعّة البصيرة، فيقوم بقلبه شاهدٌ من شواهد الآخرة، فينجذب إليها بكلِّيّته، ويَزْهَد في التّعلُّقات الفانية، ويَدْأَب في تصحيح التّوبة، والقيامِ بالمأمورات الظّاهرة والباطنة، وتركِ المنهيّات الظّاهرة والباطنة، ثمّ يقوم حارسًا على قلبه، فلا يسامحه بخَطْرةٍ يكرهها الله، ولا بخَطْرةِ فضولٍ لا تنفعه، فيصفو١ بذلك قلبه عن حديث النّفس ووساوسها، فيُفْدَى من أَسْرِها ويصير طليقًا، فحينئذٍ يخلو قلبه بذكر ربِّه ومحبّته والإنابة إليه، ويخرج من بين بيوت طَبْعِه ونفسه إلى فضاء الخلوة بربِّه وذكْرِه، كما قال:

وأخرجُ من بين البيوتِ لعلَّنيأحدِّثُ عنك النّفسَ في السِّرِّ خَاليَا٢

فحينئذٍ يجتمع قلبه وخواطره وحديثُ نفسه على إرادة ربِّه، وطلبِه

  1. (١) ر: «فيضعف».
  2. (٢) البيت للمجنون في «ديوانه» (ص ٢٩٤، ٣٠١، ٣١٤) من قصيدة طويلة، وهناك التخريج وبيان اختلاف النسبة. وتقدم البيت فيما مضى (٣/ ٤٤٥).
174

والشّوقِ إليه.

فإذا صدقَ في ذلك رُزِقَ محبّةَ الرسول ﷺ، واستولتْ روحانيَّته على قلبه، فجعله إمامَه، وأستاذه ومُعلِّمَه، وشيخَه وقدوتَه، كما جعله الله نبيَّه ورسولَه وهادِيَه١، فيطالع سيرته ومبادئ أموره، وكيفيّة نزول الوحي عليه، ويعرف صفاتِه وأخلاقَه، وآدابَه في حركاته وسكونه، ويقظتِه ومنامه، وعبادته ومعاشرته لأهله وأصحابه، حتّى يصير كأنّه معه من بعض أصحابه.

فإذا رسخ قلبه في ذلك فُتِح عليه بفهم٢ الوحي المنزّل عليه من ربِّه، بحيث إذا قرأ السُّورة شاهد قلبُه ماذا أُنزِلت فيه، وماذا أُريد بها، وحظّه المختصّ به منها من الصِّفات والأخلاق والأفعال المذمومة، فيجتهد في التّخلُّص منها كما يجتهد في الشِّفاء من المرض المَخُوف، ومن الصِّفات٣ والأفعال الممدوحة، فيجتهد في تكميلها وإتمامها.

فإذا تمكَّن من ذلك انفتحَ في قلبه عينٌ أخرى، يشاهد بها صفات الرّبِّ ﷻ، حتّى تصير لقلبه بمنزلة المرئيِّ لعينه، فيشهد علوَّ الرّبِّ سبحانه فوقَ خلقه، واستواءه على عرشه، ونزولَ الأمر من عنده بتدبير مملكته، وتكلُّمه بالوحي، وتكليمه لعبده جبريل به٤، وإرسالَه إلى من يشاء بما يشاء، وصعودَ الأمور إليه، وعرضَها عليه.

  1. (١) ر: «وهاديًا إليه».
  2. (٢) ت: «فهم».
  3. (٣) عطف على «من الصفات والأخلاق ...».
  4. (٤) «به» ليست في ت.
175

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي