مدارج السالكين

إلى ربِّه، وربُّه قريبٌ منه، قد صار له حبيبُه١ ــ لفرطِ استيلائه على قلبه، ولَهَجِه بذكره، وعكوف همّته على مرضاته ــ بمنزلة سمعه وبصره ويده ورجله، وهذه آلات إدراكِه وعمله وسعيه، فإن سمع سمع بحبيبه، وإن أبصر أبصر به، وإن بطشَ بطشَ به، وإن مشى مشى به.

وإن صعُبَ عليك فهمُ هذا المعنى، وكون المحبِّ الكامل المحبّة يسمع ويبصر ويبطش ويمشي بمحبوبه وذاتُه غائبةٌ عنه= فاضرِبْ عنه صفحًا، ودَعْ هذا الشّأن لأهله.

خَلِّ٢ الهوى لأناسٍ يُعرَفون بهقد كابدوا الحبَّ حتّى لانَ أصعبُه٣

فإنّ السّالك إلى ربِّه لا تزال همّته عاكفةً على أمرين: استفراغ القلب في صدق الحبِّ، وبذل الجهد في امتثال الأمر، فلا يزال كذلك حتّى يبدو على سرِّه شواهدُ معرفته، وآثارُ صفاته وأسمائه، ولكن يتوارى ذلك عنه أحيانًا ويبدو أحيانًا، يبدو من عين الجود، ويتوارى بحكم الفترة. والفَتَرات أمرٌ لازمٌ للعبد، فلكلِّ عاملٍ شرّةٌ، ولكلِّ شِرّةٍ فترةٌ، فأعلاها فترة الوحي؛ وهي للأنبياء، وفترة الحال الخاصِّ عن العارفين٤، وفترة الهمّة للمريدين، وفترة العمل للعابدين. وفي هذه الفَتَرات أنواعٌ من الحكمة والرّحمة، والتّعرُّفات الإلهيّة، وتعريف قدر النِّعمة، وتجديد الشّوق إليها، وعَضّ النواجذِ عليها، وغير ذلك.

  1. (١) ت: «حبيبًا».
  2. (٢) في هامش ش، د: «دَعِ». وهو كذلك في مصادر التخريج.
  3. (٣) البيت من أبيات لأبي القاسم علي بن أفلح العبسي (ت ٥٣٣) في «المنتظم» (١٠/ ٨٢)، و«تاريخ الإسلام» (١١/ ٥٩٨).
  4. (٤) ت: «عن المعارف». ر: «للعارفين».
177

ولا تزال تلك الشّواهد تتكرّر وتتزايد حتّى تستقرّ، وينصبغ بها قلبه، وتصير الفترة غيرَ قاطعةٍ له، بل تكون نعمةً عليه، وراحةً له، وترويحًا وتنفيسًا عنه.

فهمّة المحبِّ١ إذا تعلّقت روحه بحبيبه، عاكفة٢ على مزيد محبّته وأسباب قوّتها، فهو يعمل على هذا، ثمّ يترقّى منه إلى طلب محبّة حبيبه له، فيعمل على حصول ذلك، ولا يعدم الطّلب الأوّل ولا يفارقه البتّةَ، بل يندرج في هذا الطّلب الثّاني، فتتعلّق همّته بالأمرين٣ جميعًا، فإنّه إنّما يحصُلُ له منزلةُ «كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصَرَه الذي يبصر به» بهذا الأمر الثّاني، وهو كونه محبوبًا لحبيبه، كما قال في الحديث: «فإذا أحببتُه كنتُ سمْعَه وبصَرَه»، فهو يتقرّب إلى ربِّه حفظًا لمحبّته له، واستدعاءً لمحبّة ربِّه له.

فحينئذٍ يَشُدُّ مِئزرَ الجِدِّ في طلب محبّة حبيبه له بأنواع التّقرُّب إليه، فقلبه للمحبّة والإنابة والتّوكُّل والخوف والرّجاء، ولسانه للذِّكر وتلاوة كلام حبيبه، وجوارحه للطّاعات، فهو لا يَفتُر عن التّقرُّب.

وهذا هو السَّير المُفضِي إلى هذه الغاية التي لا تُنال إلّا به، ولا يُوصَل إليها إلّا من هذا الطّريق، وحينئذٍ تَجتمعُ له في سَيْره جميعُ متفرِّقات السُّلوك من الحضور والهيبة والمراقبة ونفي الخواطر وتخلية الباطن٤.

  1. (١) ت، ر: «المحبة».
  2. (٢) «عاكفة» ليست في ش، د.
  3. (٣) د: «بأمرين».
  4. (٤) ت: «البواطن».
178

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي