مدارج السالكين

ولا تزال تلك الشّواهد تتكرّر وتتزايد حتّى تستقرّ، وينصبغ بها قلبه، وتصير الفترة غيرَ قاطعةٍ له، بل تكون نعمةً عليه، وراحةً له، وترويحًا وتنفيسًا عنه.

فهمّة المحبِّ١ إذا تعلّقت روحه بحبيبه، عاكفة٢ على مزيد محبّته وأسباب قوّتها، فهو يعمل على هذا، ثمّ يترقّى منه إلى طلب محبّة حبيبه له، فيعمل على حصول ذلك، ولا يعدم الطّلب الأوّل ولا يفارقه البتّةَ، بل يندرج في هذا الطّلب الثّاني، فتتعلّق همّته بالأمرين٣ جميعًا، فإنّه إنّما يحصُلُ له منزلةُ «كنتُ سمعَه الذي يسمع به، وبصَرَه الذي يبصر به» بهذا الأمر الثّاني، وهو كونه محبوبًا لحبيبه، كما قال في الحديث: «فإذا أحببتُه كنتُ سمْعَه وبصَرَه»، فهو يتقرّب إلى ربِّه حفظًا لمحبّته له، واستدعاءً لمحبّة ربِّه له.

فحينئذٍ يَشُدُّ مِئزرَ الجِدِّ في طلب محبّة حبيبه له بأنواع التّقرُّب إليه، فقلبه للمحبّة والإنابة والتّوكُّل والخوف والرّجاء، ولسانه للذِّكر وتلاوة كلام حبيبه، وجوارحه للطّاعات، فهو لا يَفتُر عن التّقرُّب.

وهذا هو السَّير المُفضِي إلى هذه الغاية التي لا تُنال إلّا به، ولا يُوصَل إليها إلّا من هذا الطّريق، وحينئذٍ تَجتمعُ له في سَيْره جميعُ متفرِّقات السُّلوك من الحضور والهيبة والمراقبة ونفي الخواطر وتخلية الباطن٤.

  1. (١) ت، ر: «المحبة».
  2. (٢) «عاكفة» ليست في ش، د.
  3. (٣) د: «بأمرين».
  4. (٤) ت: «البواطن».
178

فإنّ المحبّ يشرع أوّلًا في التّقرُّبات بالأعمال الظّاهرة، وهي ظاهر التّقرُّب. ثمّ يترقّى من ذلك إلى حال التّقرُّب، وهو الانجذاب إلى حبيبه بكلِّيّته، بروحه وقلبه، وعقله وبدنه. ثمّ يترقّى من ذلك١ إلى مقام الإحسان، فيعبد الله كأنّه يراه، فيتقرّب إليه حينئذٍ بأعمال القلوب؛ من المحبّة والإنابة والتّعظيم والإجلال والخشية، فينبعث حينئذٍ من باطنه الجودُ ببذل الرُّوحِ والموجودِ في محبّة حبيبه بلا تكلُّفٍ، فيجود بروحه ونفسِه وأنفاسِه وإراداته وأعمالِه لحبيبه حالًا لا تكلُّفًا. فإذا وجد المحبُّ ذلك فقد ظفِرَ بحال التّقرُّب وسرِّه وباطنه، وإن لم يجده فهو يتقرّب بلسانه وبدنه وظاهره فقط، فليدُمْ على ذلك، وليتكلّف التّقرُّب بالأذكار والأعمال على الدّوام، فعساه أن يَحظَى بحال التقرب.

ووراء هذا التقرب الباطن أمرٌ آخر أيضًا، وهو شيءٌ لا يُعبَّر عنه بأحسنَ من عبارة أقربِ الخلق عن هذا المعنى، حيث يقول حاكيًا عن ربِّه ﵎: «من تقرَّبَ منِّي شِبْرًا تقرّبتُ منه ذراعًا، ومن تقرَّبَ منِّي ذراعًا تقرّبتُ منه باعًا، ومن أتاني يَمشي أتيتُه هَرولةً»٢، فيجد هذا المحبُّ في باطنه ذوقَ معنى هذا الحديث ذوقًا حقيقيًّا.

فذكر من مراتب القرب ثلاثةً، ونبّه بها على ما دونها وما فوقها. فذكر تقرُّب العبد إليه بالسَّير شِبرًا٣، وتقرُّبه سبحانه إلى العبد ذراعًا، فإذا ذاق العبد حقيقة هذا التّقرُّب انتقل منه إلى تقرُّب الذِّراع، فيجد ذوق تقرُّب الرّبِّ

  1. (١) ت: «ذلك المقام».
  2. (٢) أخرجه البخاري (٧٤٠٥)، ومسلم (٢٦٧٥) من حديث أبي هريرة ﵁.
  3. (٣) «شبرا» ليست في ش، د.
179

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي