مدارج السالكين

إليه باعًا. فإذا ذاق حلاوة هذا التقرب الثّاني أسرعَ المشيَ حينئذٍ إلى ربِّه، فيذوق حلاوة إتيانه إليه هرولةً. وهاهنا انتهى الحديث، منبِّهًا١ على أنّه إذا هرولَ عبده إليه كان قربُ حبيبه منه فوق هرولة العبد إليه، فإمّا أن يكون أمسك عن ذلك لِعظَم شأنِ هذا الجزاء، وأنه يدخل في الحدّ الذي لم تسمع به أذنٌ، ولم يَخطُرْ على قلب بشرٍ، أو أحاله على المراتب المتقدِّمة، فكأنّه قيل٢: وقِسْ على هذا، فعلى قدر ما تبذلُ منك متقرِّبًا إلى ربِّك يتقرَّبُ إليك بأكثر منه، وعلى هذا فلازمُ هذا التّقرُّبِ المذكور في مراتبه: أنّ٣ من تقرَّب إلى حبيبه بروحه وجميع قُواه وإراداته وأقواله وأعماله تقرّب الرّبُّ سبحانه منه بنفسه في مقابلة تقرُّب عبده إليه.

وليس القرب في هذه المراتب كلِّها قرب مسافةٍ حسِّيّةٍ ولا مماسّةٍ، بل هو قربُ حقيقةٍ، والرّبُّ تعالى فوق سماواته على عرشه، والعبدُ في الأرض.

وهذا الموضع هو سرُّ السُّلوك، وحقيقة العبوديّة، وهو معنى الوصول الذي يُدندِن حولَه القومُ.

ومِلاكُ هذا الأمر هو قصد التّقرُّب أوّلًا، ثمّ التّقرُّب ثانيًا، ثمّ حال التقرُّب ثالثًا، وهو الانبعاث٤ بالكلِّيّة إلى الحبيب.

وحقيقة هذا الانبعاث: أن تَفنى بمراده عن هواك، وبما يحبُّه عن حظِّك،

  1. (١) «منبِّهًا» ليست في ت.
  2. (٢) في هامش ش: «قال».
  3. (٣) ت، ر: «أي».
  4. (٤) ت: «الانتقال».
180

بل يصير ذلك هو مجموع حظِّك ومرادك. وقد عرفتَ أنّ من تقرّب إلى حبيبه بشيءٍ من الأشياء جُوزِي على ذلك بقربٍ هو أضعافه، وعرفتَ أنّ أعلى أنواع التّقرُّب تقرُّب العبد بجملته بظاهره وباطنه وبوجوده إلى حبيبه، فمن فعلَ ذلك فقد تقرَّبَ بكلِّه، ولم تبقَ منه بقيّةٌ لغير حبيبه، كما قيل:

لا كان مَن لِسواكَ فيه بقيّةٌيجد السّبيل بها إليه العُذَّلُ١

وإذا كان المتقرّب إليه بالأعمال يُعطى أضعافَ أضعافِ ما تقرَّب به، فما الظّنُّ بمن أعطي حال التّقرُّب وذوقه ووجده؟ فما الظّنُّ بمن تقرّب إليه بروحه وجميعِ إرادته٢ وهمّته، وأقوالِه وأعماله؟

وعلى هذا فكما جاد لحبيبه بنفسه فإنّه أهلٌ أن يُجادَ عليه، بأن يكون ربُّه سبحانه هو حظُّه ونصيبه عوضًا عن كلِّ شيءٍ جزاءً٣ وِفاقًا، فإنّ الجزاء من جنس العمل. وشواهد هذا كثيرةٌ:

منها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢]، ففرّق بين الجزاءين كما ترى، وجعل جزاء المتوكِّل عليه كونه سبحانه حَسْبَه.

ومنها: أنّ الشّهيد لمّا بذل حياته لله أعاضَه الله سبحانه حياةً أكملَ منها عنده في محلِّ قربه وكرامته.

ومنها: أنّ من بذلَ لله شيئًا منه أعاضه الله خيرًا منه.

  1. (١) تقدم البيت (٣/ ٣٨٨) بقافية «اللُّوَّمُ». وهناك التخريج.
  2. (٢) ت: «إراداته».
  3. (٣) ش: «آخر».
181

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي