مدارج السالكين

بل يصير ذلك هو مجموع حظِّك ومرادك. وقد عرفتَ أنّ من تقرّب إلى حبيبه بشيءٍ من الأشياء جُوزِي على ذلك بقربٍ هو أضعافه، وعرفتَ أنّ أعلى أنواع التّقرُّب تقرُّب العبد بجملته بظاهره وباطنه وبوجوده إلى حبيبه، فمن فعلَ ذلك فقد تقرَّبَ بكلِّه، ولم تبقَ منه بقيّةٌ لغير حبيبه، كما قيل:

لا كان مَن لِسواكَ فيه بقيّةٌيجد السّبيل بها إليه العُذَّلُ١

وإذا كان المتقرّب إليه بالأعمال يُعطى أضعافَ أضعافِ ما تقرَّب به، فما الظّنُّ بمن أعطي حال التّقرُّب وذوقه ووجده؟ فما الظّنُّ بمن تقرّب إليه بروحه وجميعِ إرادته٢ وهمّته، وأقوالِه وأعماله؟

وعلى هذا فكما جاد لحبيبه بنفسه فإنّه أهلٌ أن يُجادَ عليه، بأن يكون ربُّه سبحانه هو حظُّه ونصيبه عوضًا عن كلِّ شيءٍ جزاءً٣ وِفاقًا، فإنّ الجزاء من جنس العمل. وشواهد هذا كثيرةٌ:

منها: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا ٢ وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: ٢]، ففرّق بين الجزاءين كما ترى، وجعل جزاء المتوكِّل عليه كونه سبحانه حَسْبَه.

ومنها: أنّ الشّهيد لمّا بذل حياته لله أعاضَه الله سبحانه حياةً أكملَ منها عنده في محلِّ قربه وكرامته.

ومنها: أنّ من بذلَ لله شيئًا منه أعاضه الله خيرًا منه.

  1. (١) تقدم البيت (٣/ ٣٨٨) بقافية «اللُّوَّمُ». وهناك التخريج.
  2. (٢) ت: «إراداته».
  3. (٣) ش: «آخر».
181

ومنها: قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُونِي﴾ [البقرة: ١٥٢].

ومنها: قوله: «مَنْ ذَكرَني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منه»١.

ومنها: قوله: «مَن تقرّبَ منِّي شِبرًا تقرّبتُ منه ذراعًا» الحديث.

فالعبد لا يزال رابحًا على٢ ربِّه أفضلَ ممّا تقرَّب٣ به له، وهذا المتقرِّب بروحه وقلبِه وعملِه يُفتَح عليه بحياةٍ لا تُشبِه ما النّاس فيه من أنواع الحياة، بل حياة من ليس كذلك بالنِّسبة إلى حياته، كحياة الجنين في بطن أمِّه بالنِّسبة إلى حياة أهل الدُّنيا ولذّتهم٤ فيها، بل أعظم من ذلك.

فهذا أُنموذجٌ من بيان شرفِ هذه الحياة وفضلها، وإن كان علمُ هذا يوجب لصاحبه حياةً طيِّبةً، فكيف إن٥ انصبغ القلب به، وصار حالًا ملازمًا لذاته؟ فالله المستعان.

فهذه الحياة هي حياة الدُّنيا ونعيمها في الحقيقة، فمن فقدَها ففقدُه٦ لحياته الطّبيعيّة أولى به.

هذي حياةُ الفتى فإن فُقِدَتْففقدُه للحياة أليقُ بِهْ٧
  1. (١) ضمن الحديث القدسي الذي سبق قريبًا عن أبي هريرة ﵁.
  2. (٢) في هامش ت: «راجيًا إلى».
  3. (٣) ر، ت: «قدمه».
  4. (٤) ت: «وكدّهم».
  5. (٥) ت: «إذا».
  6. (٦) ش، د: «فقده».
  7. (٧) تصرَّف المؤلف فيه، وهو من بيتين بلا نسبة في «العقد» (٢/ ٤٢٣) و«معجم الأدباء» (١/ ١٩) كما يلي:
    ما وهبَ الله لامرئ هبةً ... أفضلَ من عقلِه ومن أدبِهْ
    هما حياة الفتى فإن فُقِدا ... فإنَّ فقْد الحياة أحسنُ بِهْ
182

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي