ومنها: قوله: «مَنْ ذَكرَني في نفسه ذكرتُه في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خيرٍ منه»١.
ومنها: قوله: «مَن تقرّبَ منِّي شِبرًا تقرّبتُ منه ذراعًا» الحديث.
فالعبد لا يزال رابحًا على٢ ربِّه أفضلَ ممّا تقرَّب٣ به له، وهذا المتقرِّب بروحه وقلبِه وعملِه يُفتَح عليه بحياةٍ لا تُشبِه ما النّاس فيه من أنواع الحياة، بل حياة من ليس كذلك بالنِّسبة إلى حياته، كحياة الجنين في بطن أمِّه بالنِّسبة إلى حياة أهل الدُّنيا ولذّتهم٤ فيها، بل أعظم من ذلك.
فهذا أُنموذجٌ من بيان شرفِ هذه الحياة وفضلها، وإن كان علمُ هذا يوجب لصاحبه حياةً طيِّبةً، فكيف إن٥ انصبغ القلب به، وصار حالًا ملازمًا لذاته؟ فالله المستعان.
فهذه الحياة هي حياة الدُّنيا ونعيمها في الحقيقة، فمن فقدَها ففقدُه٦ لحياته الطّبيعيّة أولى به.
هذي حياةُ الفتى فإن فُقِدَتْففقدُه للحياة أليقُ بِهْ٧
(١) ضمن الحديث القدسي الذي سبق قريبًا عن أبي هريرة ﵁.
(٢) في هامش ت: «راجيًا إلى».
(٣) ر، ت: «قدمه».
(٤) ت: «وكدّهم».
(٥) ت: «إذا».
(٦) ش، د: «فقده».
(٧) تصرَّف المؤلف فيه، وهو من بيتين بلا نسبة في «العقد» (٢/ ٤٢٣) و«معجم الأدباء» (١/ ١٩) كما يلي: ما وهبَ الله لامرئ هبةً ... أفضلَ من عقلِه ومن أدبِهْ هما حياة الفتى فإن فُقِدا ... فإنَّ فقْد الحياة أحسنُ بِهْ
فلا عيشَ إلّا عيشُ المحبِّين، الذين قرَّتْ أعينهم بحبيبهم، وسكنت نفوسهم إليه، واطمأنّت قلوبهم به، واستأنسوا بقربه، وتنعَّموا بحبِّه، ففي القلب فاقةٌ لا يَسُدُّها إلّا محبّة الله والإقبالُ عليه والإنابة إليه، ولا يُلَمُّ شَعَثُه١ بغير ذلك البتّةَ. ومن لم يظفَرْ بذلك فحياته كلُّها همومٌ وغمومٌ، وآلامٌ وحسراتٌ، فإنّه إن كان ذا همّةٍ تقطَّعتْ نفسُه على الدُّنيا حسراتٍ، فإنّ همّته لا ترضى منها بالدُّون، وإن كان مَهِينًا خسيسًا فعيشُه كعيشِ أخسِّ الحيوانات، فلا تَقَرُّ العيون إلّا بمحبّة الحبيب الأوّل.
نَقِّلْ فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوىما الحبُّ إلّا للحبيب الأوّلِ
كم منزلٍ في الأرض يألَفُه الفتىوحنينُه أبدًا لأوّلِ منزلِ٢
فصل
المرتبة التّاسعة من مراتب الحياة: حياة الأرواح بعد مفارقتها لأبدانها وخَلاصِها من هذا السِّجن وضِيْقه، فإنّ من ورائه فضاءً ورَوْحًا وريحانًا وراحةً، نسبةُ هذه الدّار إليه كنسبة بطن الأمِّ إلى هذه الدّار أو أدنى من ذلك. قال بعض العارفين: لتكنْ مبادرتُك إلى الخروج من الدُّنيا كمبادرتك إلى الخروج من السِّجن الضّيِّق٣ إلى أحبّتك، والاجتماع بهم في البساتين
(١) ت: «ولا تتم نعمة».
(٢) البيتان لأبي تمام في «ديوانه» (٤/ ٢٥٣)، وقد تقدما (٣/ ٤١١).