فلا عيشَ إلّا عيشُ المحبِّين، الذين قرَّتْ أعينهم بحبيبهم، وسكنت نفوسهم إليه، واطمأنّت قلوبهم به، واستأنسوا بقربه، وتنعَّموا بحبِّه، ففي القلب فاقةٌ لا يَسُدُّها إلّا محبّة الله والإقبالُ عليه والإنابة إليه، ولا يُلَمُّ شَعَثُه١ بغير ذلك البتّةَ. ومن لم يظفَرْ بذلك فحياته كلُّها همومٌ وغمومٌ، وآلامٌ وحسراتٌ، فإنّه إن كان ذا همّةٍ تقطَّعتْ نفسُه على الدُّنيا حسراتٍ، فإنّ همّته لا ترضى منها بالدُّون، وإن كان مَهِينًا خسيسًا فعيشُه كعيشِ أخسِّ الحيوانات، فلا تَقَرُّ العيون إلّا بمحبّة الحبيب الأوّل.
نَقِّلْ فؤادَك حيثُ شئتَ من الهوىما الحبُّ إلّا للحبيب الأوّلِ
كم منزلٍ في الأرض يألَفُه الفتىوحنينُه أبدًا لأوّلِ منزلِ٢
فصل
المرتبة التّاسعة من مراتب الحياة: حياة الأرواح بعد مفارقتها لأبدانها وخَلاصِها من هذا السِّجن وضِيْقه، فإنّ من ورائه فضاءً ورَوْحًا وريحانًا وراحةً، نسبةُ هذه الدّار إليه كنسبة بطن الأمِّ إلى هذه الدّار أو أدنى من ذلك. قال بعض العارفين: لتكنْ مبادرتُك إلى الخروج من الدُّنيا كمبادرتك إلى الخروج من السِّجن الضّيِّق٣ إلى أحبّتك، والاجتماع بهم في البساتين
(١) ت: «ولا تتم نعمة».
(٢) البيتان لأبي تمام في «ديوانه» (٤/ ٢٥٣)، وقد تقدما (٣/ ٤١١).
(٣) ش: «الضنك».
المُؤْنِقة. قال تعالى في هذه الحياة: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ٨٨ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾[الواقعة: ٨٨].
ويكفي في طيب هذه الحياة: مفارقةُ الرّفيق المؤذي المُنَكِّد١، الذي تُنغِّص الحياةَ رؤيتُه ومشاهدتُه، فضلًا عن مخالطته وعِشْرته إلى الرّفيق الأعلى الذين أنعمَ الله عليهم من النّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصّالحين، في جوار الرّبِّ الرّحيم٢.
ولو لم يكن في الموت٣ من الخير إلّا أنّه باب الدُّخول إلى هذه الحياة، وجِسْرٌ يُعبَر منه إليها= لكفى به تحفةً للمؤمن.
جزى الله عنّا الموتَ خيرًا فإنّهأبرُّ بنا من كلِّ برٍّ وألطفُ
يُعجِّل تخليصَ النُّفوسِ من الأذىويُدنِي إلى الدّار التي هي أشرفُ٤
فالاجتهاد في هذا العمر القصير والمدّة القليلة، والسّعي والكَدْح،
(١) د: «المتكدّر».
(٢) بعده في المطبوع بيتان ليسا في الأصول: قد قلتُ إذ مدحوا الحياة فأسرفوا ... في الموت ألفُ فضيلةٍ لا تُعرفُ منها أمانُ لقائه بلقائه ... وفراقُ كلِّ معاشرٍ لا يُنصِفُ وهما لمنصور الفقيه في «العزلة» للخطابي (ص ٩١)، و«معجم الأدباء» (٦/ ٢٧٢٥)، و«طبقات الشافعية» (٣/ ٤٧٨) وغيرها، ونسبا لابن الرومي في «ديوان المعاني» (٢/ ١٧٢).
(٣) ت: «القرب».
(٤) البيتان بلا نسبة في «المحاسن والأضداد» (ص ٢٥٥)، و«التمثيل والمحاضرة» (ص ٤٠٦)، و«اللطائف والظرائف» للثعالبي (ص ٢٧٠) وغيرها.