المُؤْنِقة. قال تعالى في هذه الحياة: ﴿فَأَمَّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرَّبِينَ ٨٨ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنَّتُ نَعِيمٍ﴾[الواقعة: ٨٨].
ويكفي في طيب هذه الحياة: مفارقةُ الرّفيق المؤذي المُنَكِّد١، الذي تُنغِّص الحياةَ رؤيتُه ومشاهدتُه، فضلًا عن مخالطته وعِشْرته إلى الرّفيق الأعلى الذين أنعمَ الله عليهم من النّبيِّين والصِّدِّيقين والشُّهداء والصّالحين، في جوار الرّبِّ الرّحيم٢.
ولو لم يكن في الموت٣ من الخير إلّا أنّه باب الدُّخول إلى هذه الحياة، وجِسْرٌ يُعبَر منه إليها= لكفى به تحفةً للمؤمن.
جزى الله عنّا الموتَ خيرًا فإنّهأبرُّ بنا من كلِّ برٍّ وألطفُ
يُعجِّل تخليصَ النُّفوسِ من الأذىويُدنِي إلى الدّار التي هي أشرفُ٤
فالاجتهاد في هذا العمر القصير والمدّة القليلة، والسّعي والكَدْح،
(١) د: «المتكدّر».
(٢) بعده في المطبوع بيتان ليسا في الأصول: قد قلتُ إذ مدحوا الحياة فأسرفوا ... في الموت ألفُ فضيلةٍ لا تُعرفُ منها أمانُ لقائه بلقائه ... وفراقُ كلِّ معاشرٍ لا يُنصِفُ وهما لمنصور الفقيه في «العزلة» للخطابي (ص ٩١)، و«معجم الأدباء» (٦/ ٢٧٢٥)، و«طبقات الشافعية» (٣/ ٤٧٨) وغيرها، ونسبا لابن الرومي في «ديوان المعاني» (٢/ ١٧٢).
(٣) ت: «القرب».
(٤) البيتان بلا نسبة في «المحاسن والأضداد» (ص ٢٥٥)، و«التمثيل والمحاضرة» (ص ٤٠٦)، و«اللطائف والظرائف» للثعالبي (ص ٢٧٠) وغيرها.
وتحمُّلُ الأثقال، والتّعب والمشقّة= إنّما هو لهذه الحياة، والعلومُ والأعمال وسيلةٌ إليها، وهي يقظةٌ، وما قبلها من الحياة نومٌ، وهي عينٌ، وما قبلها أثرٌ، وهي حياةٌ جامعةٌ بين فَقْد المكروه، وحصول المحبوب في مقام الأنس وحضرة١ القدس، حيث لا يتعذَّرُ مطلوبٌ، ولا يُفقَد محبوبٌ؛ حيث الطُّمأنينةُ والرّاحة، والبهجة والسُّرور، حيثُ لا عبارةَ للعبد عن حقيقة كُنْهِها؛ لأنّها في بلدٍ لا عهدَ لنا به، ولا إلفَ بيننا وبين ساكنيه، فالنّفس لإلْفِها هذا السِّجنَ الضّيِّق النَّكِد٢ زمانًا طويلًا تكره الانتقال منه إلى ذلك البلد، وتستوحش إذا استشعرتْ مفارقتَه.
وحصول العلم بهذه الحياة إنّما وصل إلينا بنورٍ٣ إلهيٍّ على يد أكمل الخلق وأعلمهم وأنصحهم، فقامت شواهدها في قلوب أهل الإيمان، حتّى صارت لهم بمنزلة العيان، فعَزَفَتْ نفوسهم عن هذا الظِّلِّ الزّائل، والخيال المضمحلِّ، والعيش الفاني المَشُوب بالتّنغيص وأنواع الغُصَص، رغبةً في هذه الحياة، وشوقًا إلى ذلك الملكوت، ووجدًا بهذا السُّرور، وطربًا على هذا الحدِّ، واستنشاقًا٤ لهذا النّسيم الوارد من محلِّ النّعيم المقيم.
ولعمر الله إنّ من سافرَ إلى بلد العدل والخصب والأمن والسُّرور صبرَ في طريقه على كلِّ مشقّةٍ وإعوازٍ وجَدْبٍ، وفارقَ المتخلِّفين أحوجَ ما كان٥