وتحمُّلُ الأثقال، والتّعب والمشقّة= إنّما هو لهذه الحياة، والعلومُ والأعمال وسيلةٌ إليها، وهي يقظةٌ، وما قبلها من الحياة نومٌ، وهي عينٌ، وما قبلها أثرٌ، وهي حياةٌ جامعةٌ بين فَقْد المكروه، وحصول المحبوب في مقام الأنس وحضرة١ القدس، حيث لا يتعذَّرُ مطلوبٌ، ولا يُفقَد محبوبٌ؛ حيث الطُّمأنينةُ والرّاحة، والبهجة والسُّرور، حيثُ لا عبارةَ للعبد عن حقيقة كُنْهِها؛ لأنّها في بلدٍ لا عهدَ لنا به، ولا إلفَ بيننا وبين ساكنيه، فالنّفس لإلْفِها هذا السِّجنَ الضّيِّق النَّكِد٢ زمانًا طويلًا تكره الانتقال منه إلى ذلك البلد، وتستوحش إذا استشعرتْ مفارقتَه.
وحصول العلم بهذه الحياة إنّما وصل إلينا بنورٍ٣ إلهيٍّ على يد أكمل الخلق وأعلمهم وأنصحهم، فقامت شواهدها في قلوب أهل الإيمان، حتّى صارت لهم بمنزلة العيان، فعَزَفَتْ نفوسهم عن هذا الظِّلِّ الزّائل، والخيال المضمحلِّ، والعيش الفاني المَشُوب بالتّنغيص وأنواع الغُصَص، رغبةً في هذه الحياة، وشوقًا إلى ذلك الملكوت، ووجدًا بهذا السُّرور، وطربًا على هذا الحدِّ، واستنشاقًا٤ لهذا النّسيم الوارد من محلِّ النّعيم المقيم.
ولعمر الله إنّ من سافرَ إلى بلد العدل والخصب والأمن والسُّرور صبرَ في طريقه على كلِّ مشقّةٍ وإعوازٍ وجَدْبٍ، وفارقَ المتخلِّفين أحوجَ ما كان٥
(١) ت: «وحظيرة».
(٢) د: «المتكدر».
(٣) ر: «بخبر».
(٤) ر: «واشتياقًا».
(٥) ت: «يكون».
إليهم، وأجاب١ المناديَ إذا نادى به حيَّ على الفلاح، وبذل نفسه في الوصول بذْلَ المحبِّ بالرِّضا والسّماح، وواصل السّير بالغُدوِّ والرّواح، فحمِدَ عند الوصول مسراه، وإنّما يحمَدُ المسافر السُّرى عند الصّباح.
عند الصّباح يحمَدُ القومُ السُّرىوفي الممات يحمَدُ القومُ التُّقَى٢
وما هذا والله بالصّعب ولا بالشّديد، مع هذا العمر القصير الذي هو بالنِّسبة إلى تلك الدّار كساعةٍ من نهارٍ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾[الأحقاف: ٣٥]، ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ٣ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾[يونس: ٤٥]، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ﴾[النازعات: ٤٦]، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾[الروم: ٥٥]، ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ١١٣ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾[المؤمنون: ١١٢ - ١١٤]. فلو أنّ أحدنا يُجَرُّ على وجهه يتّقي به الشّوك والحجارة إلى هذه الحياة لم يكن ذلك كثيرًا ولا غبنًا في جنب ما يؤمِّلُه.
فوا٤ حسرتاه على بصيرةٍ تشاهد هاتين الحياتين على ما هما عليه،
(١) الواو ليست في ش، ت، ر.
(٢) الشطر الأول من الأمثال السائرة، انظر: «مجمع الأمثال» (٢/ ٣١٨). ضمَّ إليه المؤلف الشطر الثاني على منواله، فأصبح بيت شعر. وقد ذكرهما المؤلف في «بدائع الفوائد» (٢/ ٨٢٥) بصورة فقرتين من النثر.
(٣) قراءة العشرة غير عاصم، كما في «النشر» (٢/ ٢٦٢).