مدارج السالكين

إليهم، وأجاب١ المناديَ إذا نادى به حيَّ على الفلاح، وبذل نفسه في الوصول بذْلَ المحبِّ بالرِّضا والسّماح، وواصل السّير بالغُدوِّ والرّواح، فحمِدَ عند الوصول مسراه، وإنّما يحمَدُ المسافر السُّرى عند الصّباح.

عند الصّباح يحمَدُ القومُ السُّرىوفي الممات يحمَدُ القومُ التُّقَى٢

وما هذا والله بالصّعب ولا بالشّديد، مع هذا العمر القصير الذي هو بالنِّسبة إلى تلك الدّار كساعةٍ من نهارٍ ﴿يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ﴾ [الأحقاف: ٣٥]، ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ٣ كَأَنْ لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا سَاعَةً مِنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ﴾ [يونس: ٤٥]، ﴿كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ﴾ [النازعات: ٤٦]، ﴿وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ﴾ [الروم: ٥٥]، ﴿قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ ١١٢ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلِ الْعَادِّينَ ١١٣ قَالَ إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَوْ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [المؤمنون: ١١٢ - ١١٤]. فلو أنّ أحدنا يُجَرُّ على وجهه يتّقي به الشّوك والحجارة إلى هذه الحياة لم يكن ذلك كثيرًا ولا غبنًا في جنب ما يؤمِّلُه.

فوا٤ حسرتاه على بصيرةٍ تشاهد هاتين الحياتين على ما هما عليه،

  1. (١) الواو ليست في ش، ت، ر.
  2. (٢) الشطر الأول من الأمثال السائرة، انظر: «مجمع الأمثال» (٢/ ٣١٨). ضمَّ إليه المؤلف الشطر الثاني على منواله، فأصبح بيت شعر. وقد ذكرهما المؤلف في «بدائع الفوائد» (٢/ ٨٢٥) بصورة فقرتين من النثر.
  3. (٣) قراءة العشرة غير عاصم، كما في «النشر» (٢/ ٢٦٢).
  4. (٤) ت: «فيا».
186

وعلى همّةٍ تُؤثِر الأعلى على الأدنى، وما ذاك إلّا بتوفيقِ مَن أزِمّةُ الأمور بيديه، ومنه ابتداء كلِّ شيءٍ وانتهاؤه إليه، أقعَدَ نفوسَ من غلبت عليهم الشّقاوة عن السّفر إلى هذه الدّار، وجذَبَ قلوبَ من سبقت لهم منه الحسنى، وأقامهم في الطّريق، وسهّل عليهم ركوبَ الأخطار، فأضاع أولئك مراحلَ أعمارهم مع المتخلِّفين، وقطع هؤلاء مراحلَ أعمارهم مع السّائرين، وعَقِدَت الغبرةُ وثار العَجَاجُ، فتوارى عنه السائرون والمتخلِّفون. وسينجلي عن قريبٍ، فيفوز العاملون، ويخسر المبطلون.

وعن طيب هذه الحياة ولذّتها قال النّبيُّ ﷺ: «ما من نفسٍ تموت لها عند الله خيرٌ يَسُرُّها أن ترجع إلى الدُّنيا وأنّ لها الدُّنيا وما فيها، إلّا الشّهيد، فإنّه يتمنّى الرُّجوع إلى الدُّنيا، لِما يرى من كرامة الله»١. يعني لِيُقْتَلَ مرّةً أخرى. وسمع بعض العارفين منشدًا ينشد٢:

إنّما العيشُ في بَهيميَّةِ اللَّذْذَةِ لا ما يقولُه الفلسفيُّ
حكْمُ كأسِ المَنُونِ أن يتساوىفي حَسَاها البليدُ والألمعيُّ٣
ويصير الغبيُّ تحتَ ثرى الأرضِ كما صار تحتَها اللَّوذعيُّ
فسَلِ الأرضَ عنهما إن أزالَ الشَّـكَّ والشُّبهةَ السُّؤالُ الخفيُّ

فقال: قاتله الله، ما أشدَّ معاندتَه للدِّين والعقل! هذا نفسُ عدوِّ الفطرة والشّريعة والعقل والإيمان والحكمة، يا مسكين أمن أجلِ أنّ الموت تَساوى

  1. (١) أخرجه البخاري (٢٧٩٥)، ومسلم (١٨٧٧) من حديث أنس بن مالك ﵁.
  2. (٢) الأبيات لأبي سليمان المنطقي السجستاني في «عيون الأنباء» (٢/ ٣٦٢)، ومنه في «الوافي بالوفيات» (٣/ ١٦٦) وفيه أنها مذكورة في ترجمة الفارابي.
  3. (٣) هذا البيت ليس في ت.
187

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي