وعلى همّةٍ تُؤثِر الأعلى على الأدنى، وما ذاك إلّا بتوفيقِ مَن أزِمّةُ الأمور بيديه، ومنه ابتداء كلِّ شيءٍ وانتهاؤه إليه، أقعَدَ نفوسَ من غلبت عليهم الشّقاوة عن السّفر إلى هذه الدّار، وجذَبَ قلوبَ من سبقت لهم منه الحسنى، وأقامهم في الطّريق، وسهّل عليهم ركوبَ الأخطار، فأضاع أولئك مراحلَ أعمارهم مع المتخلِّفين، وقطع هؤلاء مراحلَ أعمارهم مع السّائرين، وعَقِدَت الغبرةُ وثار العَجَاجُ، فتوارى عنه السائرون والمتخلِّفون. وسينجلي عن قريبٍ، فيفوز العاملون، ويخسر المبطلون.
وعن طيب هذه الحياة ولذّتها قال النّبيُّ ﷺ: «ما من نفسٍ تموت لها عند الله خيرٌ يَسُرُّها أن ترجع إلى الدُّنيا وأنّ لها الدُّنيا وما فيها، إلّا الشّهيد، فإنّه يتمنّى الرُّجوع إلى الدُّنيا، لِما يرى من كرامة الله»١. يعني لِيُقْتَلَ مرّةً أخرى. وسمع بعض العارفين منشدًا ينشد٢:
فقال: قاتله الله، ما أشدَّ معاندتَه للدِّين والعقل! هذا نفسُ عدوِّ الفطرة والشّريعة والعقل والإيمان والحكمة، يا مسكين أمن أجلِ أنّ الموت تَساوى
- (١) أخرجه البخاري (٢٧٩٥)، ومسلم (١٨٧٧) من حديث أنس بن مالك ﵁.
- (٢) الأبيات لأبي سليمان المنطقي السجستاني في «عيون الأنباء» (٢/ ٣٦٢)، ومنه في «الوافي بالوفيات» (٣/ ١٦٦) وفيه أنها مذكورة في ترجمة الفارابي.
- (٣) هذا البيت ليس في ت.