مدارج السالكين

وعلى همّةٍ تُؤثِر الأعلى على الأدنى، وما ذاك إلّا بتوفيقِ مَن أزِمّةُ الأمور بيديه، ومنه ابتداء كلِّ شيءٍ وانتهاؤه إليه، أقعَدَ نفوسَ من غلبت عليهم الشّقاوة عن السّفر إلى هذه الدّار، وجذَبَ قلوبَ من سبقت لهم منه الحسنى، وأقامهم في الطّريق، وسهّل عليهم ركوبَ الأخطار، فأضاع أولئك مراحلَ أعمارهم مع المتخلِّفين، وقطع هؤلاء مراحلَ أعمارهم مع السّائرين، وعَقِدَت الغبرةُ وثار العَجَاجُ، فتوارى عنه السائرون والمتخلِّفون. وسينجلي عن قريبٍ، فيفوز العاملون، ويخسر المبطلون.

وعن طيب هذه الحياة ولذّتها قال النّبيُّ ﷺ: «ما من نفسٍ تموت لها عند الله خيرٌ يَسُرُّها أن ترجع إلى الدُّنيا وأنّ لها الدُّنيا وما فيها، إلّا الشّهيد، فإنّه يتمنّى الرُّجوع إلى الدُّنيا، لِما يرى من كرامة الله»١. يعني لِيُقْتَلَ مرّةً أخرى. وسمع بعض العارفين منشدًا ينشد٢:

إنّما العيشُ في بَهيميَّةِ اللَّذْذَةِ لا ما يقولُه الفلسفيُّ
حكْمُ كأسِ المَنُونِ أن يتساوىفي حَسَاها البليدُ والألمعيُّ٣
ويصير الغبيُّ تحتَ ثرى الأرضِ كما صار تحتَها اللَّوذعيُّ
فسَلِ الأرضَ عنهما إن أزالَ الشَّـكَّ والشُّبهةَ السُّؤالُ الخفيُّ

فقال: قاتله الله، ما أشدَّ معاندتَه للدِّين والعقل! هذا نفسُ عدوِّ الفطرة والشّريعة والعقل والإيمان والحكمة، يا مسكين أمن أجلِ أنّ الموت تَساوى

  1. (١) أخرجه البخاري (٢٧٩٥)، ومسلم (١٨٧٧) من حديث أنس بن مالك ﵁.
  2. (٢) الأبيات لأبي سليمان المنطقي السجستاني في «عيون الأنباء» (٢/ ٣٦٢)، ومنه في «الوافي بالوفيات» (٣/ ١٦٦) وفيه أنها مذكورة في ترجمة الفارابي.
  3. (٣) هذا البيت ليس في ت.
187

فيه الصّالح والطّالح، والعالم والجاهل، وصاروا تحت أطباق١ الثّرى، يجب أن يتَساوَوْا في العاقبة؟ أما تساوى قومٌ سافروا من بلدٍ إلى بلدٍ في الطّريق؟ فلمّا بلغوا القصدَ نزلَ كلُّ واحدٍ في مكانٍ كان مُعَدًّا له، وتُلُقِّي بغير ما تلقِّي به رفيقُه في الطريق؟ أما لكلِّ قومٍ دارٌ أُدخِلَ٢ كلُّ واحدٍ منهم حيث يليق به؟ وقوبل هذا بشيءٍ، وهذا بضدِّه؟ أما قدِمَ على الملك من جاءه بما يحبُّه فأكرمه عليه، ومن جاءه بما يُسخِطه فعاقبه عليه؟ أما قدِمَ ركبُ المدينة فنزل بعضهم في قصورها وبساتينها وأماكنها الفاضلة، ونزل قومٌ على قوارع الطّرق بين الكلاب؟ أما قدِمَ اثنان من بطن الأمِّ، فصار هذا إلى الملك، وهذا إلى الأسر والعناء؟

وقولك «سَلِ الأرضَ عنهما»، أما قد سألناها، فأخبرتْنا أنّها قد ضمَّتْ أجسادَهم وجُثَثَهم وأوصالَهم، لا كفرهم وإيمانهم، ولا إساءتَهم وإحسانَهم، ولا حلمهم٣ وسفههم، ولا طاعتهم ومعصيتهم، ولا يقينَهم وشكَّهم، ولا توحيدهم وشركهم، ولا جورهم وعدلهم، ولا علمهم وجهلهم، فأخبرتْنا عن هذه الجثث البالية، والأبدان المتلاشية، والأوصال المتفرّقة، واللُّحوم المتمزِّقة، وقالت: هذا خبر ما عندي.

وأمّا خبر تلك الأرواح وما صارت إليه، فسَلُوا عنها٤ كتب ربِّ العالمين، ورسله الصّادقين، وخلفاءهم الوارثين، سلوا القرآن فعنده الخبر

  1. (١) «أطباق» ليست في ت، ر.
  2. (٢) ت، ر: «فأجلس».
  3. (٣) ش، د: «حكمتهم».
  4. (٤) ش: «فسلوها».
188

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي