فيه الصّالح والطّالح، والعالم والجاهل، وصاروا تحت أطباق١ الثّرى، يجب أن يتَساوَوْا في العاقبة؟ أما تساوى قومٌ سافروا من بلدٍ إلى بلدٍ في الطّريق؟ فلمّا بلغوا القصدَ نزلَ كلُّ واحدٍ في مكانٍ كان مُعَدًّا له، وتُلُقِّي بغير ما تلقِّي به رفيقُه في الطريق؟ أما لكلِّ قومٍ دارٌ أُدخِلَ٢ كلُّ واحدٍ منهم حيث يليق به؟ وقوبل هذا بشيءٍ، وهذا بضدِّه؟ أما قدِمَ على الملك من جاءه بما يحبُّه فأكرمه عليه، ومن جاءه بما يُسخِطه فعاقبه عليه؟ أما قدِمَ ركبُ المدينة فنزل بعضهم في قصورها وبساتينها وأماكنها الفاضلة، ونزل قومٌ على قوارع الطّرق بين الكلاب؟ أما قدِمَ اثنان من بطن الأمِّ، فصار هذا إلى الملك، وهذا إلى الأسر والعناء؟
وقولك «سَلِ الأرضَ عنهما»، أما قد سألناها، فأخبرتْنا أنّها قد ضمَّتْ أجسادَهم وجُثَثَهم وأوصالَهم، لا كفرهم وإيمانهم، ولا إساءتَهم وإحسانَهم، ولا حلمهم٣ وسفههم، ولا طاعتهم ومعصيتهم، ولا يقينَهم وشكَّهم، ولا توحيدهم وشركهم، ولا جورهم وعدلهم، ولا علمهم وجهلهم، فأخبرتْنا عن هذه الجثث البالية، والأبدان المتلاشية، والأوصال المتفرّقة، واللُّحوم المتمزِّقة، وقالت: هذا خبر ما عندي.
وأمّا خبر تلك الأرواح وما صارت إليه، فسَلُوا عنها٤ كتب ربِّ العالمين، ورسله الصّادقين، وخلفاءهم الوارثين، سلوا القرآن فعنده الخبر
(١) «أطباق» ليست في ت، ر.
(٢) ت، ر: «فأجلس».
(٣) ش، د: «حكمتهم».
(٤) ش: «فسلوها».
اليقين، وسلوا من جاء به فهو بذلك أعرف العارفين، وسلوا العلم والإيمان فهما الشّاهدان المقبولان، وسلوا العقول والفطر فعندها حقيقة الخبر. ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءٌ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾[الجاثية: ٢١]. تعالى الله أحكم الحاكمين عن هذا الظّنِّ والحسبان، الذي لا يليق إلّا بأجهل الجاهلين.
ثمّ قال: النّاظر في هذا الباب رجلان، رجلٌ ينظر إلى الأشياء، ورجلٌ ينظر في الأشياء، فالأوّل: يَحَار فيها، فإنّ صورها وأشكالها وتخاطيطها تستفرغ ذهنَه وحسَّه، وتُبدِّد فكره وقلبه، فنظَرُه إليها بعين حسِّه لا يُفيده منها ثمرة الاعتبار، ولا زبدة الاختبار؛ لأنّه لمّا فقدَ الاعتبار أوّلًا فاتَه الاختيار ثانيًا.
وأمّا النّاظر في الأشياء: فإنّ نظره يبعثه على العبور من صورها إلى حقائقها والمراد بها، وما اقتضى وجودها من الحكمة البالغة والعلم التّامِّ، فيفيده هذا النّظر تمييزَ مراتبها، ومعرفةَ نافعها من ضارِّها، وصحيحها من سقيمها، وباقيها من فانيها، وقِشْرَها من لبِّها، ويميِّز١ بين الوسيلة والغاية، وبين وسيلة الشّيء ووسيلة ضدِّه، فيعرف٢ حينئذٍ أنّ الدُّنيا قشر والآخرة لُبٌّ، وأنّ الدُّنيا محلُّ الزّرع، والآخرة وقتُ الحصاد، وأنّ الدُّنيا مَعْبَرٌ وممرٌّ، والآخرة مستقرٌّ.
وإذا عرف أنّ الدُّنيا طريقٌ وممرٌّ كان حرِيًّا بتهيئة الزّاد لقراره، ويعلم