مدارج السالكين

حينئذٍ أنّه١ لم ينشأ في هذه الدّار للاستيطان والخلود، ولكن للجواز إلى مكانٍ آخر هو المنزل والمتبوَّأُ، وأنّ الإنسان دُعِي إلى ذلك بكلِّ شريعةٍ، وعلى لسان كلِّ نبيٍّ، وبكلِّ إشارةٍ ودليلٍ، ونُصِب له على ذلك كلُّ عَلَمٍ، وضُرِب له لأجله كلُّ مثلٍ، ونُبِّه عليه بنشأته الأولى ومبدئه وسائر أحواله، وأحوال طعامه وشرابه، وأرضه وسمائه، بحيث أُزِيلت عنه الشُّبهة، وأوضِحت له المحجّة، وأُقِيمت عليه الحجّة، وأُعذِر إليه غاية الإعذار، وأُمِهل أتمّ الإمهال، فاستبان لذي العقل الصّحيح والفطرة السّليمة أنّ الظَّعْن عن هذا المكان ضروريٌّ، والانتقال عنه حقٌّ لا مريةَ فيه، وأنّ له محلًّا آخر له أُنشِئ ولأجله خُلِق وله هُيِّئ، فمصيره إليه، وقدومه بلا ريبٍ عليه، وأنّ داره هذه منزلُ عبورٍ لا منزلُ قرارٍ.

وبالجملة: من نظر في الموجودات، ولم يقنع بمجرَّد النظر إليها= وجدها دالّةً على أنّ وراء هذه الحياة حياةً أخرى أكمل منها، وهذه الحياة بالنِّسبة إليها كالمنام بالنِّسبة إلى اليقظة، وكالظِّلِّ بالنِّسبة إلى الشّخص، وسمِعَها كلَّها تُنادِي بما نادى به ربُّها وخالقها وفاطرها: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ﴾ [فاطر: ٥]، وتُنادي بلسان الحال بما نادى به ربُّها بصريح المقال: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِرًا﴾ [الكهف: ٤٥]. وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ

  1. (١) ت: «أنه حينئذ».
190

الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ﴾ [يونس: ٢٤].

وقال تعالى: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [الحديد: ٢٠]، ثمّ ندَبَهم إلى المسابقة إلى الدّار الباقية التي لا زوالَ لها، فقال: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [الحديد: ٢١].

وسمع بعض العارفين منشدًا ينشد عن بعض الزّنادقة عند موته، وهو محمّد بن زكريّا الرازي المتطبِّب١:

لعمري ما أدري وقد آذنَ البِلىبعاجلِ تَرْحالي إلى أينَ تَرْحالي
وأين مكانُ الرُّوح بعد خروجهعن الهيكل المنحلِّ والجسدِ البالي

فقال: وما علينا من جهْلِه إذا لم يدرِ أين ترحاله؟ لكنَّا ندري إلى أين تَرحالنا٢ وترحاله، أمّا تَرحاله فإلى دار الأشقياء، ومحلِّ المُنكِرين لقدرة الله وحكمته، المكذِّبين بما اتّفقت عليه كلمة المرسلين عن ربِّهم، ﴿أُولَئِكَ

  1. (١) البيتان له في «عيون الأنباء» (٢/ ٣٥١)، و«الوافي بالوفيات» (٣/ ٧٧)، و«نكت الهميان» (ص ٢٥٠). وفي المصدرين الأخيرين ردُّ الصفدي عليه ببيتين في وزنه ورويّه.
  2. (٢) ش: «ترحالها».
191

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي