وسمع بعض العارفين منشدًا ينشد عن بعض الزّنادقة عند موته، وهو محمّد بن زكريّا الرازي المتطبِّب١:
لعمري ما أدري وقد آذنَ البِلىبعاجلِ تَرْحالي إلى أينَ تَرْحالي
وأين مكانُ الرُّوح بعد خروجهعن الهيكل المنحلِّ والجسدِ البالي
فقال: وما علينا من جهْلِه إذا لم يدرِ أين ترحاله؟ لكنَّا ندري إلى أين تَرحالنا٢ وترحاله، أمّا تَرحاله فإلى دار الأشقياء، ومحلِّ المُنكِرين لقدرة الله وحكمته، المكذِّبين بما اتّفقت عليه كلمة المرسلين عن ربِّهم، ﴿أُولَئِكَ
(١) البيتان له في «عيون الأنباء» (٢/ ٣٥١)، و«الوافي بالوفيات» (٣/ ٧٧)، و«نكت الهميان» (ص ٢٥٠). وفي المصدرين الأخيرين ردُّ الصفدي عليه ببيتين في وزنه ورويّه.
وأمّا ترحالنا١ أيُّها المسلمون والصدِّيقون المصدِّقون بلقاء ربِّهم وكتبه ورسله فإلى نعيمٍ دائمٍ، وخلودٍ متّصلٍ، ومقامٍ كريمٍ، وجنّةٍ عرضها السّماوات والأرض في جوار ربِّ العالمين، وأرحمِ الرّاحمين، وأقدر القادرين، وأحكم الحاكمين، الذي له الخلق والأمر، وبيده النّفع والضَّرُّ، الأوّل بالحقِّ، الموجود بالضّرورة، المعروف بالفطرة، الذي أقرَّتْ به العقول، ودلّت عليه الموجودات، وشهدت بوحدانيّته وربوبيّته المخلوقات، وأقرّت بها الفِطَر، المشهود وجوده وقيُّوميّته بكلِّ حركةٍ وسكونٍ، وبكلِّ ما كان وما هو كائنٌ وما سيكون، الذي خلق السّماوات والأرض، وأنزل من السّماء ماءً فأنبتَ به أنواع النبات، وبثَّ به في الأرض جميع الحيوانات، ﴿أَمَّنْ جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا﴾[النمل: ٦١]، الذي يجيب المضطرّ إذا دعاه، ويُغِيث الملهوفَ إذا ناداه، ويكشف السُّوء، ويُفرِّج الكربات، ويُقِيل العَثَرات، الذي يهدي خلْقَه في ظلمات البرِّ والبحر، ويرسل الرِّياح بُشرًا بين يدي رحمته، فيحيي الأرض بوابل القَطْر، الذي يبدأ الخلق ثمّ يعيده، ويرزق من في