مدارج السالكين

السّبب الثّاني: جُثُوم الغفلة على القلب، فإنّ الغفلة نوم القلب، ولهذا تجد كثيرًا من الأيقاظ في الحسِّ نيامًا، فتحسبهم أيقاظًا وهم رقودٌ، ضدّ حال من يكون يقظانَ القلب وهو نائمٌ، فإنّ القلب إذا قويتْ فيه الحياة لا ينام إذا نام البدن، وكمال هذه الحياة١ كان لنبيِّنا ﷺ، ولمن أحيا الله قلبه بمحبّته واتِّباع رسوله من ذلك بحسب نصيبه منهما.

فالغفلة واليقظة يكونان في الحسِّ والعقل والقلب، فمستيقظ القلب وغافله كمستيقظ البدن ونائمه٢، وكما أنّ يقظة الحسِّ على نوعين، فكذلك يقظة القلب على نوعين.

فالنّوع الأوّل من يقظة الحسِّ: أنّ صاحبها يَنفُذ في الأمور الحسِّيّة ويتوغَّلُ فيها بكَيْسِه وفطانته، واحتيالِه وحسنِ تأتِّيه.

والنّوع الثّاني: أن يُقبِل على نفسه وقلبه وذاته، فيعتني بتحصيل كماله، فيلحظ عواليَ الأمور وسفسافَها، فيُؤْثِر الأعلى على الأدنى، وخيرَ الخيرين بتفويت أدناهما، ويرتكب أخفَّ الشّرّين خشيةً من حصول أقواهما، ويتحلّى بمكارم الأخلاق ومعالي الشِّيَم، فيكون ظاهره جميلًا، وباطنه أجملَ من ظاهره، وسريرتُه خيرًا من علانيته، فيزاحم أصحاب المعالي عليها كما يُزاحم أهل الدِّينار والدِّرهم عليهما، فبهذه اليقظة يستعدُّ للنّوعين الآخرين منها:

أحدهما: يقظةٌ تبعثه على اقتباس الحياة الدّائمة الباقية التي لا خطَرَ لها من هذه الحياة الفانية الزّائلة، التي لا قيمة لها.

  1. (١) ش: «الحالة».
  2. (٢) في هامش ش: «وغافله».
197

فإن قلت: مثِّلْ لي كيفَ تُقتبس الحياة الدّائمة من الحياة الفانية؟ وكيف يكون هذا؟ فإنِّي لا أفهمه.

قلت: وهذا أيضًا من نوم القلب، بل هو من موته، وهل تُقتبس الحياة الدّائمة إلّا من هذه الحياة الزّائلة؟ وأنت قد تُشعِل سراجك من سراجٍ آخر قد أشفى على الانطفاء، فيتَّقِد الثّاني ويضيء غايةَ الإضاءة، ويتّصل ضوؤه وينطفئ الأوّل. والمقتبس لحياته الدّائمة من حياته المنقطعة إنّما ينتقل من دارٍ منقطعةٍ إلى دارٍ باقيةٍ، وقد توسّط الموت بين الدّارين، فهو قنطرةٌ لا يعبُر إلى تلك الدّار إلّا عليها، وبابٌ لا يدخل إليها إلّا منه، فهما حياتان في دارين بينهما موتٌ. وكما أنّ نور تلك الدّار مقتبسٌ من نور هذه الدّار، فحياتها مقتبسةٌ من حياتها، فعلى قدر نور الإيمان في هذه الدّار يكون نور العبد في تلك الدّار، وعلى قدر حياته في هذه الدّار تكون حياته هناك.

نعم؛ هذا النُّور والحياة الذي يقتبس منه ذلك النُّور والحياة لا ينقطع، بل يتَّصل للعبد في البرزخ، وفي موقف القيامة، وعلى الصِّراط، فلا يفارقه إلى دار الحيوان، يُطفَأ نور الشّمس وهذا النُّور لا يُطفَأ، وتبطُل الحياة المحسوسة وهذه الحياة لا تبطُل. هذا أحد نوعي يقظة القلب.

النّوع الثّاني: يقظةٌ تبعث على حياةٍ، لا تدركها العبارة١، ولا ينالها التّوهُّم، ولا يطابق فيها اللّفظ لمعناه البتّة، والّذي يشار به إليها حياة المحبِّ مع حبيبه، الذي لا قِوامَ لقلبه وروحه وحياته إلّا به ولا غنًى له عنه طرفةَ عينٍ، ولا قرّةَ لعينه ولا طمأنينةَ لقلبه ولا سكونَ لروحه إلّا به٢، فهو أحوجُ

  1. (١) «العبارة» ليست في ش، د.
  2. (٢) «ولا غنى ... إلا به» ساقطة من ش، د.
198

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي