مدارج السالكين

قلت: أجَلْ، للحجاب الذي ضرب بينك وبين هذه الحياة، فافهم الحياة بوجود الفناء، وبوجود المالك القادر إذا كان معك وناصرك، دون مجرَّدِ وجوده ولا معرفةَ بينك وبينه البتّةَ، فحقيقة الحياة هي الحياة بالرّبِّ تعالى، لا الحياة بالنفس والغذاء١ وأسباب العيش.

وقد تُفسَّر حياة الوجود بشهود القيُّوميّة، حيث لا يرى٢ شيئًا من الأشياء إلّا وهو بالله، هو الذي أقامه، وبحال هذا الشُّهود، وهو أن لا يلتفت بقلبه إلى شيءٍ سوى الله، ولا يخافه ولا يرجوه، بل قد قصرَ خوفَه ورجاءه وتوكُّله وإنابته على قيُّومِ الوجود وقيِّمه وقيَّامه ومُقِيمه وحدَه، فمتى حصل له هذا الشُّهود وهذا الحال فقد حصلتْ له حياة الوجود.

فتارةً يتنفّس بالهيبة، وهي سطوة نور الصِّفات، وذلك عند أوّل ما يسطع نور الوجود، فيقع القلب في هيبةٍ تستغرق حسَّه عن الالتفات إلى شيءٍ من عوالم النّفس، وذلك هو الاعتلال الذي يُمِيته النّفس الثّاني، وهو قوله: «ونفس يميت الاعتلال»، فتموت منه عللُ أعماله، وآثارُ حظوظه، وشهودُ إنِّيّته.

قوله: (ونفس الوجود) يريد به وجودَ العبد لربّه، فيتنفّس بهذا الوجود، كما يسمع به، ويبصر به، ويبطش به، ويمشي به.

ولا تُصْغِ إلى غير هذا، فتزِلَّ قَدَمٌ بعد ثبوتها.

قوله: (وهو يمنع الانفصال)، الانفصال عند القوم: انقطاع القلب عن الرّبِّ وبقاؤه بنفسه وطبيعته، والاتِّصال: هو بقاؤه بربِّه، وفناؤه عن أحكام

  1. (١) ش: «الغنا».
  2. (٢) ش، د: «ترى».
206

نفسِه وطبعِه وهواه، وقد يراد بالاتِّصال الفناء في شهود القيُّوميّة، وبالانفصال الغَيبة عن هذا الشُّهود.

وأمّا الملحد فيفسِّر الاتِّصال والانفصال بالاتِّصال الذّاتيِّ والانفصال الذّاتيِّ، وهذا محالٌ أيضًا، فإنّه لم يزل متّصلًا به، بل لم يزل إيّاه عنده. فالأوّل: يتعلّق بالإرادة والهمّة، وهو أعلى الأنواع. والثّاني: يتعلّق بالشُّهود والشُّعور، وهو دونه، وعند الشّيخ هو أعلى؛ لأنّه إنّما يكون في وادي الفناء. والثّالث: للملاحدة القائلين بوحدة الوجود.

قوله: (ونفس الانفراد، وهو يورث الاتِّصال).

نفس الانفراد: هو المصحوب بشهود الفردانيّة، وهي تفرُّد الرّبِّ سبحانه بالرُّبوبيّة والإلهيّة والتّدبير والقيُّوميّة، فلا يُثبِت لسواه قسطًا في الرُّبوبيّة، ولا في الإلهيّة، ولا في القيُّوميّة، بل يُفرِده بذلك في شهوده كما أفرده به في علمه، ثمّ يفرده به في الحال التي أوجبها الشُّهود، فيكون سبحانه فردًا في علم العبد ومعرفته، فردًا في شهوده، فردًا في حاله في شهوده.

وهذا النّفس يُورِثه الاتِّصال بربِّه، بحيث لا يبقى له مرادٌ غيره، ولا إرادةٌ غير مراده الدِّينيِّ الذي يحبُّه ويرضاه، فيستفرغ حبُّه قلبه، وتستفرغ مرضاته سعيه، وليس وراء ذلك مقامٌ تَلْحَظُه النّظّارة، لا بالقلب ولا بالرُّوح. فإنّ كمال هذا الاتِّصال والشُّغل١ بالحقِّ سبحانه: قد استغرقَ المقامات، واستوعب الإشارات، والله المستعان.

  1. (١) «والشغل» ليست في ت.
207

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي