مدارج السالكين

نفسِه وطبعِه وهواه، وقد يراد بالاتِّصال الفناء في شهود القيُّوميّة، وبالانفصال الغَيبة عن هذا الشُّهود.

وأمّا الملحد فيفسِّر الاتِّصال والانفصال بالاتِّصال الذّاتيِّ والانفصال الذّاتيِّ، وهذا محالٌ أيضًا، فإنّه لم يزل متّصلًا به، بل لم يزل إيّاه عنده. فالأوّل: يتعلّق بالإرادة والهمّة، وهو أعلى الأنواع. والثّاني: يتعلّق بالشُّهود والشُّعور، وهو دونه، وعند الشّيخ هو أعلى؛ لأنّه إنّما يكون في وادي الفناء. والثّالث: للملاحدة القائلين بوحدة الوجود.

قوله: (ونفس الانفراد، وهو يورث الاتِّصال).

نفس الانفراد: هو المصحوب بشهود الفردانيّة، وهي تفرُّد الرّبِّ سبحانه بالرُّبوبيّة والإلهيّة والتّدبير والقيُّوميّة، فلا يُثبِت لسواه قسطًا في الرُّبوبيّة، ولا في الإلهيّة، ولا في القيُّوميّة، بل يُفرِده بذلك في شهوده كما أفرده به في علمه، ثمّ يفرده به في الحال التي أوجبها الشُّهود، فيكون سبحانه فردًا في علم العبد ومعرفته، فردًا في شهوده، فردًا في حاله في شهوده.

وهذا النّفس يُورِثه الاتِّصال بربِّه، بحيث لا يبقى له مرادٌ غيره، ولا إرادةٌ غير مراده الدِّينيِّ الذي يحبُّه ويرضاه، فيستفرغ حبُّه قلبه، وتستفرغ مرضاته سعيه، وليس وراء ذلك مقامٌ تَلْحَظُه النّظّارة، لا بالقلب ولا بالرُّوح. فإنّ كمال هذا الاتِّصال والشُّغل١ بالحقِّ سبحانه: قد استغرقَ المقامات، واستوعب الإشارات، والله المستعان.

  1. (١) «والشغل» ليست في ت.
207

فصل

قال صاحب «المنازل»١: (باب القبض. قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا﴾ [الفرقان: ٤٦]).

قلت: لقد أبعد في تعلُّقه بإشارة٢ الآية إلى القبض الذي يريده، ولا تدلُّ الآية عليه بوجهٍ ما، وإنَّما تشارك القبضَ المترجمَ عليه في اللفظ، فإنَّ القبض في الآية٣ قبضُ الظلِّ، وهو تقلُّصه بعد امتداده، قال الله٤ تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى رَبِّكَ كَيْفَ مَدَّ الظِّلَّ وَلَوْ شَاءَ لَجَعَلَهُ سَاكِنًا ثُمَّ جَعَلْنَا الشَّمْسَ عَلَيْهِ دَلِيلًا ٤٥ ثُمَّ قَبَضْنَاهُ إِلَيْنَا قَبْضًا﴾ [الفرقان: ٤٥ - ٤٦]، فأخبر تعالى: أنَّه بسط الظلَّ ومدَّه، وأنَّه جعله متحرِّكًا تبعًا لحركة الشمس، ولو شاء لجعله ساكنًا لا يتحرَّك، إمَّا بسكون المظهر له والدليل عليه، وإمَّا بسببٍ آخر. ثمَّ أخبر: أنَّه قبضه بعد بسطه قبضًا يسيرًا، وهو شيءٌ بعد شيءٍ، لم يقبضه جملةً.

فهذا من أعظم آياته الدالَّة على كمال قدرته وحكمته٥، فندب سبحانه إلى رؤية صنعه٦ وقدرته وحكمته في هذا الفرد من مخلوقاته، ولو شاء لجعله لاصقًا بأصلِ ما هو ظلٌّ له من جبلٍ وبناءٍ وشجرٍ وغيره، فلم ينتفع به

  1. (١) (ص ٩٦).
  2. (٢) ر: «في إشارة».
  3. (٣) في ر زيادة: «هو».
  4. (٤) لم يرد الاسم المعظم في ش، د.
  5. (٥) ر: «عظيم قدرته وكمال حكمته».
  6. (٦) ر: «صنعته».
208

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي