فالشيخ أحال باستشهاده بالآية في الباب المذكور على ما تقدَّم له في الخطبة. ووجه الإشارة بالآية يعلم من قوله: ﴿ثُمَّ قَبَضْنَاهُ﴾.
والقبض في هذا الباب لم يرد به قبض الإضافة، ولهذا قال الشيخ١: (القبض في هذا الباب اسمٌ يشار به إلى مقام الضَّنائن الذين ادَّخرهم الحقُّ اصطناعًا لنفسه).
فالقبض نوعان: قبضٌ في الأحوال، وقبضٌ في الحقائق.
فالقبض في الأحوال أمرٌ يطرق القلب يمنعه عن الانبساط والفرح، وهو نوعان أيضًا:
أحدهما: ما يعرف سببه، مثل تذكُّر ذنبٍ أو تفريطٍ أو بُعدٍ أو جفوةٍ، أو حدوث ذلك.
والثاني: ما لا يعرف سببه، بل يهجم على القلب هجومًا لا يقدر على التخلُّص منه. وهذا هو القبض المشار إليه على ألسنة القوم، وضدُّه البسط. فالقبض والبسط عندهم حالتان للقلب لا يكاد ينفكُّ منهما.
وقد قال أبو القاسم الجنيد: في معنى القبض والبسط معنى الخوف والرّجاء، فالرجاء٢ يبسط إلى الطاعة، والخوف يقبض عن٣ المعصية٤.
وكلُّهم تكلَّم في (القبض والبسط) على هذا المنهج، حتَّى جعلوه أقسامًا: قبض تأديبٍ، وقبض تهذيبٍ، وقبض جمعٍ، وقبض تفريقٍ. ولهذا يمتنع به صاحبُه إذا تمكَّن منه من الأكل، والشُّرب، والكلام، وفعل١ الأوراد، والانبساط إلى الأهل وغيرهم.
فقبض التأديب يكون عقوبةً على غفلةٍ، أو خاطر سوءٍ، أو فكرةٍ رديئةٍ.
وقبض التهذيب يكون إعدادًا لبسطٍ عظيمٍ٢ شأنه يأتي بعده، فيكون القبض قبله كالتنبيه عليه والمقدِّمة له، كما كان الغتُّ والغطُّ٣ مقدِّمةً بين يدي الوحي وإعدادًا لوروده. وهكذا الشدَّة مقدِّمةٌ بين يدي الفرج، والبلاء مقدِّمةٌ بين يدي العافية، والخوف الشديد مقدِّمةٌ بين يدي الأمن، وقد جرت٤ سنَّة الله سبحانه أنّ هذه الأمور النافعة المحبوبة إنَّما يُدخَل إليها من أبواب أضدادها.
وأمَّا قبض الجمع: فهو ما يحصل للقلب حالة جمعيَّته على الله من انقباضه عن العالم وما فيه، فلا يبقى فيه فضلٌ ولا سعةٌ لغير من اجتمع قلبه
(١) في النسخ عدا ر: «نقل»، تصحيف.
(٢) ت: «عظُم».
(٣) يشير إلى قوله ﷺ في وصف بدء الوحي وهو في غار حراء: «فأخذني (أي: جبريل) فغطَّني حتى بلغ مني الجَهد». أخرجه البخاري (٣) ومسلم (١٦٠) من حديث عائشة. وفي رواية ابن إسحاق ــ كما في «سيرة ابن هشام» (١/ ٢٣٦) ــ: «فغتَّني»، وهما بمعنى.