مدارج السالكين

عليه. وفي هذه الحال مَن أراد مِن صاحبها١ ما يعهده منه من٢ المؤانسة والمذاكرة فقد ظلمه.

وأمَّا قبض التفرقة: فهو القبض الذي يحصل لمن تفرَّق قلبه عن الله، وتشتَّت عنه في الشِّعاب والأودية، فأقلُّ عقوبته: ما يجده من القبض الذي يتمنَّى معه الموت.

وأمّا القبض الذي أشار إليه صاحب «المنازل» فهو٣ شيءٌ وراء هذا كلِّه، فإنَّه جعله من قسم الحقائق، وذلك القبض الذي تقدَّم ذكره من أقسام البدايات. ولهذا قال: (القبض في هذا الباب: اسمٌ يشار به إلى مقام الضَّنائن). ومن هاهنا حسن استشهاده بإشارة الآية، لأنَّه تعالى أخبر عن قبض الظلِّ إليه، والقبض في هذا الباب يتضمَّن قبضَ القلب عن غيره إليه، وجمعيَّتَه بعد التفرقة عليه.

والضَّنائن جمع ضَنينةٍ٤، وهي الخاصَّة التي يَضَنُّ بها صاحبُها، أي: يبخل ببذلها ويصطفيها لنفسه، ولهذا قال: (الذين ادَّخرهم الحقُّ اصطناعًا لنفسه)٥.

  1. (١) ت، ر: «صاحبه»، ولكلٍّ وجه.
  2. (٢) «منه» ساقطة من ر. و«من» ساقطة من ش، د.
  3. (٣) ش، د: «فهي».
  4. (٤) انظر: «شرح التلمساني» (ص ٥٢٩) و«تاج العروس» (٣٥/ ٣٤٠).
  5. (٥) وقد روي هذا المعنى في حديث مرفوع: «إن لله ضنائنَ من خلقه يحييهم في عافية، وإذا توفاهم توفاهم إلى جنته، أولئك الذين تمر عليهم الفتن كقطع الليل المظلم وهم منها في عافية». أخرجه ابن أبي الدنيا في «الأولياء» (٢) والعقيلي في «الضعفاء» (٥/ ٤٢٥) والطبراني في «الكبير» (١٢/ ٣٨٥) و«الأوسط» (٦٣٦٩) وأبو نعيم في «الحلية» (١/ ٦) من حديث ابن عمر بإسناد منكر. وانظر: «الضعيفة» (١٢٣٩، ٣١٩٧).
213

والادِّخار افتعالٌ من الذُّخر، وهو ما يعدُّه المرء لحوائجه ومصالحه، والاصطناع بمعنى الاصطفاء. قال الله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾١ [طه: ٤١]. والاصطناع في الأصل: اتِّخاذ الصنيعة، وهي الخير تسديه إلى غيرك، قال الشاعر٢:

وإذا اصطنعت صنيعةً فاقصد بهاوجه الذي يولي الصنائع أو دَع

قال ابن عبَّاس: اصطنعتك لوحيي ورسالتي. وقال الكلبيُّ: اخترتك بالرِّسالة لنفسي، لكي تحبَّني وتقوم بأمري. وقيل: اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجّتي لتكلِّم عبادي عنِّي. قال أبو إسحاق: اخترتك لإقامة حجَّتي، وجعلتك بيني وبين خلقي حتَّى صرتَ في الخطاب والتّبليغ عنِّي بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم٣.

  1. (١) في ش، د: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ﴾ فقط.
  2. (٢) لم أجد البيت فيما رجعت إليه من المصادر. وقد ورد بيتان في المصادر لفظ أحدهما كما في «الإحياء» (٣/ ٢٤٧):
    فإذا اصطنعت صنيعةً فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أو دعِ
    وهما في «الفاضل» للمبرد (ص ٣٦) دون عزو، وقد نسبهما الماوردي في «أدب الدنيا والدين» (ص ٣٣٠) إلى حسان بن ثابت، والمرزباني في «معجم الشعراء» (ص ٤٥٨) إلى الهذيل الأشجعي وهذا أقرب. وكأن البيت الذي نقله المؤلف تصرَّف صاحبه في قول الأشجعي.
  3. (٣) الأقوال كلها من «البسيط» للواحدي (١٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦). ولم أجد قول ابن عبَّاس مسندًا. وقول أبي إسحاق الزجاج في «معاني القرآن» له (٣/ ٣٦٥).
214

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي