والادِّخار افتعالٌ من الذُّخر، وهو ما يعدُّه المرء لحوائجه ومصالحه، والاصطناع بمعنى الاصطفاء. قال الله تعالى: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾١[طه: ٤١]. والاصطناع في الأصل: اتِّخاذ الصنيعة، وهي الخير تسديه إلى غيرك، قال الشاعر٢:
وإذا اصطنعت صنيعةً فاقصد بهاوجه الذي يولي الصنائع أو دَع
قال ابن عبَّاس: اصطنعتك لوحيي ورسالتي. وقال الكلبيُّ: اخترتك بالرِّسالة لنفسي، لكي تحبَّني وتقوم بأمري. وقيل: اخترتك بالإحسان إليك لإقامة حجّتي لتكلِّم عبادي عنِّي. قال أبو إسحاق: اخترتك لإقامة حجَّتي، وجعلتك بيني وبين خلقي حتَّى صرتَ في الخطاب والتّبليغ عنِّي بالمنزلة التي أكون أنا بها لو خاطبتهم٣.
(١) في ش، د: ﴿وَاصْطَنَعْتُكَ﴾ فقط.
(٢) لم أجد البيت فيما رجعت إليه من المصادر. وقد ورد بيتان في المصادر لفظ أحدهما كما في «الإحياء» (٣/ ٢٤٧): فإذا اصطنعت صنيعةً فاعمد بها ... لله أو لذوي القرابة أو دعِ وهما في «الفاضل» للمبرد (ص ٣٦) دون عزو، وقد نسبهما الماوردي في «أدب الدنيا والدين» (ص ٣٣٠) إلى حسان بن ثابت، والمرزباني في «معجم الشعراء» (ص ٤٥٨) إلى الهذيل الأشجعي وهذا أقرب. وكأن البيت الذي نقله المؤلف تصرَّف صاحبه في قول الأشجعي.
(٣) الأقوال كلها من «البسيط» للواحدي (١٤/ ٤٠٥ - ٤٠٦). ولم أجد قول ابن عبَّاس مسندًا. وقول أبي إسحاق الزجاج في «معاني القرآن» له (٣/ ٣٦٥).
وقيل١: مثَّل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصالٍ فيه وخصائص أهلًا لكرامته٢ وتقريبه، فلا يكون أقربُ منه منزلةً إليه، ولا ألطف محلًّا، فيصطنعه بالكرامة والأثرة، ويستخلصه لنفسه، بحيث يسمع به، ويبصر به، ويطَّلع على سرِّه.
والمقصود: أنَّ الربَّ سبحانه حال بين هؤلاء الضنائن وبين التعلُّق بالخلق، وصرف قلوبهم وهممهم وعزائمهم إليه.
قال٣: (وهم ثلاث فرقٍ: فرقةٌ قبضهم إليه قبضَ التوقِّي، فضنَّ بهم على أعين العالمين).
هذا الحرف في (التّوقِّي)٤ بالقاف من الوقاية٥، وليس من الوفاة. أي: سترهم على٦ أعين النّاس وقايةً لهم وصيانةً عن ملابستهم، فغيَّبهم عن أعين الناس، فلم يطلعهم عليهم، وهؤلاء أهل الانقطاع والعزلة عن الناس وقت فساد الزمان، ولعلَّهم الذين قال فيهم النبيُّ ﷺ: «يوشك أن يكون خير مال المرء غنمًا يتبع بها شَعَف الجبالِ ومواقع القَطْر»٧، وقوله: «ورجلٌ معتزلٌ في شعبٍ من هذه الشِّعاب، يعبد ربَّه، ويدع الناس من