مدارج السالكين

وقيل١: مثَّل حاله بحال من يراه بعض الملوك لجوامع خصالٍ فيه وخصائص أهلًا لكرامته٢ وتقريبه، فلا يكون أقربُ منه منزلةً إليه، ولا ألطف محلًّا، فيصطنعه بالكرامة والأثرة، ويستخلصه لنفسه، بحيث يسمع به، ويبصر به، ويطَّلع على سرِّه.

والمقصود: أنَّ الربَّ سبحانه حال بين هؤلاء الضنائن وبين التعلُّق بالخلق، وصرف قلوبهم وهممهم وعزائمهم إليه.

قال٣: (وهم ثلاث فرقٍ: فرقةٌ قبضهم إليه قبضَ التوقِّي، فضنَّ بهم على أعين العالمين).

هذا الحرف في (التّوقِّي)٤ بالقاف من الوقاية٥، وليس من الوفاة. أي: سترهم على٦ أعين النّاس وقايةً لهم وصيانةً عن ملابستهم، فغيَّبهم عن أعين الناس، فلم يطلعهم عليهم، وهؤلاء أهل الانقطاع والعزلة عن الناس وقت فساد الزمان، ولعلَّهم الذين قال فيهم النبيُّ ﷺ: «يوشك أن يكون خير مال المرء غنمًا يتبع بها شَعَف الجبالِ ومواقع القَطْر»٧، وقوله: «ورجلٌ معتزلٌ في شعبٍ من هذه الشِّعاب، يعبد ربَّه، ويدع الناس من

  1. (١) قاله الزمخشري في «الكشاف» (٢/ ٤٣٤).
  2. (٢) ش، د: «أهل الكرامة».
  3. (٣) «المنازل» (ص ٩٦).
  4. (٤) في ت زيد بعده: «هو».
  5. (٥) وعليه شرحه التلمساني (ص ٥٣٠) والقاساني (ص ٥٣٤).
  6. (٦) ت، ر: «عن».
  7. (٧) أخرجه البخاري (١٩) عن أبي سعيد الخدري، وتمامه: «يفرُّ بدينه من الفتن».
215

شرِّه»١.

وهذه الحال تحمد في بعض الأماكن والأوقات دون بعضها، وإلَّا فالمؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم أفضل من هؤلاء٢.

فللعزلة وقت تجب فيه، ووقت تستحبُّ فيه، ووقت تباح فيه، ووقت تكره فيه، ووقت تَحرُم فيه.

ويجوز أن يكون (قبض التوفِّي) بالفاء، أي: توفَّى أجسادهم وقلوبهم من بين العالمين وهم في الدُّنيا، لكن لمَّا لم يخالطوهم كانوا بمنزلة من قد تُوفِّي وفارق الدُّنيا.

قال٣: (وفرقةٌ قبضهم بسترهم في لباس التلبيس، وأسبل عليهم أكلَّة٤ الرُّسوم، فأخفاهم عن عيون العالم).

هذه الفرقة هم مع الناس مخالطون لهم، والناس يرون ظواهرهم، وقد

  1. (١) جزء من حديث أبي سعيد أيضًا، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: «رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب ...». أخرجه البخاري (٦٤٩٤) ومسلم (١٨٨٨). وفي الباب حديث أبي هريرة عند مسلم (١٨٨٩) وغيره.
  2. (٢) يشير إلى حديث ابن عمر مرفوعًا: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على اذاهم». أخرجه أحمد (٥٠٢٢) والبخاري في «الأدب المفرد» (٣٨٨) والترمذي (٢٥٠٧) وابن ماجه (٤٠٣٢) وغيرهم بإسناد صحيح.
  3. (٣) «المنازل» (ص ٩٦).
  4. (٤) ت: «أدلة»، تصحيف، وسيأتي بيان معناه.
216

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي