ويجوز أن يكون (قبض التوفِّي) بالفاء، أي: توفَّى أجسادهم وقلوبهم من بين العالمين وهم في الدُّنيا، لكن لمَّا لم يخالطوهم كانوا بمنزلة من قد تُوفِّي وفارق الدُّنيا.
قال٣: (وفرقةٌ قبضهم بسترهم في لباس التلبيس، وأسبل عليهم أكلَّة٤ الرُّسوم، فأخفاهم عن عيون العالم).
هذه الفرقة هم مع الناس مخالطون لهم، والناس يرون ظواهرهم، وقد
(١) جزء من حديث أبي سعيد أيضًا، قال: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله أي الناس خير؟ قال: «رجل جاهد بنفسه وماله، ورجل في شعب ...». أخرجه البخاري (٦٤٩٤) ومسلم (١٨٨٨). وفي الباب حديث أبي هريرة عند مسلم (١٨٨٩) وغيره.
(٢) يشير إلى حديث ابن عمر مرفوعًا: «المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم خيرٌ من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على اذاهم». أخرجه أحمد (٥٠٢٢) والبخاري في «الأدب المفرد» (٣٨٨) والترمذي (٢٥٠٧) وابن ماجه (٤٠٣٢) وغيرهم بإسناد صحيح.
(٣) «المنازل» (ص ٩٦).
(٤) ت: «أدلة»، تصحيف، وسيأتي بيان معناه.
ستر الله سبحانه حقائقهم وأحوالهم عن رؤية الخلق لها. فحالهم ملتبسٌ على الناس لا يعرفونه١، فإذا رأوا منهم ما يرون من أبناء الدُّنيا من الأكل والشُّرب، واللِّباس والنِّكاح، وطلاقة الوجه وحسن العشرة= قالوا: هؤلاء من أبناء الدُّنيا. وإذا رأوا ذلك الجدَّ والهمم، والصبر والصِّدق، وحلاوة المعرفة والإيمان والذِّكر، وشاهدوا أمورًا ليست من دأب٢ أبناء الدُّنيا= قالوا: هؤلاء أبناء الآخرة، فالتبس حالهم عليهم، فهم مستورون عن الناس بأسبابهم وصنائعهم ولباسهم، لم يجعلوا لطلبهم وإرادتهم إشارةً تشير إليهم: اعرفوني، فهؤلاء هم الصادقون، وهؤلاء يكونون مع الناس، والمحجوبون لا يعرفونهم، ولا يرفعون بهم رأسًا، وهم من سادات أولياء الله، صانهم الله عن معرفة الناس لهم كرامةً لهم، لئلَّا يفتتنوا بهم، وإهانةً للجهَّال بهم فلا ينتفعون بهم.
وهذه الفرقة بينها وبين الأولى من الفضل ما لا يعلمه إلّا الله، فهم بين الناس بأبدانهم، وبين الرفيق الأعلى بقلوبهم، فإذا فارقوا هذا العالم انتقلت أرواحهم إلى تلك الحضرة، فإنَّ روح كلِّ عبدٍ تنتقل بعد مفارقة البدن إلى حضرة من كان يألفهم ويحبُّهم٣، فإنَّ المرء مع من أحبَّ.
قوله: (وأسبل عليهم أكلَّة٤ الرُّسوم)، أي: أجرى عليهم أحكام
(١) د: «يعرفونهم».
(٢) «دأب» من ت.
(٣) ت: «ما كان يألفه ويحبه».
(٤) ت: «أدلة»، تصحيف. والأكلة جمع «الكِلَّة» بكسر الكاف، وهو ستر رقيق يخاط شبه البيت، يُتوقَّى فيه من البعوض ونحوه.