مدارج السالكين

ستر الله سبحانه حقائقهم وأحوالهم عن رؤية الخلق لها. فحالهم ملتبسٌ على الناس لا يعرفونه١، فإذا رأوا منهم ما يرون من أبناء الدُّنيا من الأكل والشُّرب، واللِّباس والنِّكاح، وطلاقة الوجه وحسن العشرة= قالوا: هؤلاء من أبناء الدُّنيا. وإذا رأوا ذلك الجدَّ والهمم، والصبر والصِّدق، وحلاوة المعرفة والإيمان والذِّكر، وشاهدوا أمورًا ليست من دأب٢ أبناء الدُّنيا= قالوا: هؤلاء أبناء الآخرة، فالتبس حالهم عليهم، فهم مستورون عن الناس بأسبابهم وصنائعهم ولباسهم، لم يجعلوا لطلبهم وإرادتهم إشارةً تشير إليهم: اعرفوني، فهؤلاء هم الصادقون، وهؤلاء يكونون مع الناس، والمحجوبون لا يعرفونهم، ولا يرفعون بهم رأسًا، وهم من سادات أولياء الله، صانهم الله عن معرفة الناس لهم كرامةً لهم، لئلَّا يفتتنوا بهم، وإهانةً للجهَّال بهم فلا ينتفعون بهم.

وهذه الفرقة بينها وبين الأولى من الفضل ما لا يعلمه إلّا الله، فهم بين الناس بأبدانهم، وبين الرفيق الأعلى بقلوبهم، فإذا فارقوا هذا العالم انتقلت أرواحهم إلى تلك الحضرة، فإنَّ روح كلِّ عبدٍ تنتقل بعد مفارقة البدن إلى حضرة من كان يألفهم ويحبُّهم٣، فإنَّ المرء مع من أحبَّ.

قوله: (وأسبل عليهم أكلَّة٤ الرُّسوم)، أي: أجرى عليهم أحكام

  1. (١) د: «يعرفونهم».
  2. (٢) «دأب» من ت.
  3. (٣) ت: «ما كان يألفه ويحبه».
  4. (٤) ت: «أدلة»، تصحيف. والأكلة جمع «الكِلَّة» بكسر الكاف، وهو ستر رقيق يخاط شبه البيت، يُتوقَّى فيه من البعوض ونحوه.
217

الخلق: يأكلون كما يأكلون، ويشربون كما يشربون، ويسكنون حيث يسكنون، ويمشون معهم في الأسواق، ويعانون معهم الأسباب؛ وهم في وادٍ والناس في وادٍ، فمشاركتهم إيَّاهم في ذلك هي التي سترتهم عن معرفتهم وإدراك حقائقهم، فهم تحت ستور المشاركة.

ووراء هاتيك السُّتور محجَّبٌبالحسن كلُّ العزِّ تحت لوائه
لو أبصرت عيناك بعضَ جمالهلبذلتَ منك الرُّوحَ في إرضائه
ما طابت الدُّنيا بغير حديثهكلَّا ولا الأخرى بدون لقائه
يا خاسرًا هانت عليه نفسهإذ باعها بالغبن من أعدائه
لو كنت تعلم قدر ما قد بعتَهلفسختَ ذاك البيع قبل وفائه
أو كنت كفؤًا للرشاد وللهدىأبصرت لكن لستَ من أكْفائه١

قوله٢: (وفرقةٌ قبضهم منهم إليه، فصافاهم مصافاةَ سرٍّ، فضنَّ بهم عليهم).

هذه الفرقة إنَّما كانت أعلى من الفريقين المتقدِّمين لأنَّ الحقَّ سبحانه قد سترهم عن نفوسهم، لكمال ما أطلعهم عليه، وشَغْلِهم به عنهم. فهم في أعلى الأحوال والمقامات، ولا التفات لهم إليها، فهؤلاء قلوبهم معه سبحانه لا مع سواه، فلم يكونوا مع٣ السِّوى ولا السِّوى منهم، بل هم مع السِّوى بالمجاورة والامتحان، لا بالمساكنة والألفة؛ قلوبٌ عامرةٌ بالأسرار، وأرواحٌ

  1. (١) لعل الأبيات للمؤلف.
  2. (٢) «المنازل» (ص ٩٦).
  3. (٣) ت: «من».
218

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي