مدارج السالكين

الخلق: يأكلون كما يأكلون، ويشربون كما يشربون، ويسكنون حيث يسكنون، ويمشون معهم في الأسواق، ويعانون معهم الأسباب؛ وهم في وادٍ والناس في وادٍ، فمشاركتهم إيَّاهم في ذلك هي التي سترتهم عن معرفتهم وإدراك حقائقهم، فهم تحت ستور المشاركة.

ووراء هاتيك السُّتور محجَّبٌبالحسن كلُّ العزِّ تحت لوائه
لو أبصرت عيناك بعضَ جمالهلبذلتَ منك الرُّوحَ في إرضائه
ما طابت الدُّنيا بغير حديثهكلَّا ولا الأخرى بدون لقائه
يا خاسرًا هانت عليه نفسهإذ باعها بالغبن من أعدائه
لو كنت تعلم قدر ما قد بعتَهلفسختَ ذاك البيع قبل وفائه
أو كنت كفؤًا للرشاد وللهدىأبصرت لكن لستَ من أكْفائه١

قوله٢: (وفرقةٌ قبضهم منهم إليه، فصافاهم مصافاةَ سرٍّ، فضنَّ بهم عليهم).

هذه الفرقة إنَّما كانت أعلى من الفريقين المتقدِّمين لأنَّ الحقَّ سبحانه قد سترهم عن نفوسهم، لكمال ما أطلعهم عليه، وشَغْلِهم به عنهم. فهم في أعلى الأحوال والمقامات، ولا التفات لهم إليها، فهؤلاء قلوبهم معه سبحانه لا مع سواه، فلم يكونوا مع٣ السِّوى ولا السِّوى منهم، بل هم مع السِّوى بالمجاورة والامتحان، لا بالمساكنة والألفة؛ قلوبٌ عامرةٌ بالأسرار، وأرواحٌ

  1. (١) لعل الأبيات للمؤلف.
  2. (٢) «المنازل» (ص ٩٦).
  3. (٣) ت: «من».
218

تحنُّ إليه حنين الطُّيور إلى الأوكار، قد سترهم وليُّهم وحبيبهم عنهم، وأخذهم إليه منهم.

قوله: (فصافاهم مصافاةَ سرٍّ)، أي: جعل مواجيدهم في أسرارهم وقلوبِهم للطف إدراكهم، فلم يظهر عليهم في ظواهرهم لقوَّة الاستعداد.

وقوله: (فضنَّ بهم عليهم)، أي: أخذهم عن رسومهم، فأفناهم عنهم، وأبقاهم به.

وقد علمت من هذا أنَّ (القبض) المشار إليه في هذا الباب ليس هو القبض الذي يشير إليه القوم في البدايات والسُّلوك، والله أعلم.

219

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي