مدارج السالكين

تحنُّ إليه حنين الطُّيور إلى الأوكار، قد سترهم وليُّهم وحبيبهم عنهم، وأخذهم إليه منهم.

قوله: (فصافاهم مصافاةَ سرٍّ)، أي: جعل مواجيدهم في أسرارهم وقلوبِهم للطف إدراكهم، فلم يظهر عليهم في ظواهرهم لقوَّة الاستعداد.

وقوله: (فضنَّ بهم عليهم)، أي: أخذهم عن رسومهم، فأفناهم عنهم، وأبقاهم به.

وقد علمت من هذا أنَّ (القبض) المشار إليه في هذا الباب ليس هو القبض الذي يشير إليه القوم في البدايات والسُّلوك، والله أعلم.

219

فصل

قال صاحب «المنازل»١: (باب البسط. قال الله تعالى: ﴿يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ﴾ [الشورى: ١١]).

قلت: وجه تعلُّقه بإشارة الآية هو أن معناها: أنَّ الله سبحانه يُعيشكم فيما خلق لكم من الأنعام المذكورة. قال الكلبيُّ٢: يكثِّركم في هذا التزويج، ولولا هذا التزويج لم يكثر النسل. والمعنى: يخلقكم في هذا الوجه الذي ذكر من جعله لكم أزواجًا، فإنَّ سبب خلقنا وخلق الحيوان: بالأزواج. والضمير في قوله: ﴿يَذْرَؤُكُمْ﴾ يرجع إلى الجعل. ومعنى الذَّرْء: الخلق، وهو هاهنا الخلق٣ الكثير، فهو خلقٌ وتكثير. فقيل: (في) بمعنى الباء، أي: يكثِّركم بذلك، وهذا قول الكوفيِّين٤. والصحيح: أنَّها على بابها، والفعل مضمَّن معنى (يُنشئكم) وهو يتعدَّى بـ (في)، كما قال تعالى: ﴿وَنُنْشِئَكُمْ فِي مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الواقعة: ٦١]. فهذا تفسير الآية.

ولمَّا كانت الحياة حياتين: حياة الأبدان وحياة الأرواح، وهو سبحانه هو الذي يحيي قلوب أوليائه وأرواحهم بإكرامه ولطفه وبسطه كان٥ ذلك تنميةً لها وتكثيرًا وذرءًا، والله أعلم.

  1. (١) (ص ٩٦).
  2. (٢) «قال الكلبي» سقط من د. والمؤلف صادر عن «البسيط» للواحدي (١٩/ ٤٩٣).
  3. (٣) «وهو هاهنا الخلق» سقط من ت لانتقال النظر.
  4. (٤) كالفراء في «معاني القرآن» (٣/ ٢٢).
  5. (٥) ت: «فإن في».
220

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي