مدارج السالكين

ومن المعلوم١ أنّ وجودَ الرَّبِّ تعالى أظهَرُ للعقول والفِطَر من وجود النّهار. ومن لم ير ذلك في عقله وفطرته فليتَّهمها٢.

وإذا بطل قولُ هؤلاء بطل قولُ أهل الإلحاد٣ القائلين بوحدة الوجود وأنَّه ما ثَمَّ وجودٌ قديمٌ خالقٌ، ووجودٌ حادثٌ مخلوقٌ؛ بل وجودُ هذا العالم هو عينُ وجود الله، وهو حقيقةُ هذا العالم. فليس عند القوم ربٌّ وعبدٌ، ولا مالكٌ ومملوكٌ، ولا راحمٌ ومرحومٌ، ولا عابدٌ ومعبودٌ، ولا مستعينٌ ومستعانٌ به، ولا هادٍ ومهديٌّ، ولا منعِمٌ ومنعَمٌ عليه، ولا غضبانُ ومغضوبٌ عليه بل الرَّبُّ هو نفسُ العبد وحقيقته، والمالكُ هو عين المملوك، والرَّاحمُ عين المرحوم، والعابدُ نفس المعبود. وإنّما التّغاير أمرٌ اعتباريٌّ بحسَبِ مظاهر الذّات وتجلِّياتها، فتظهر تارةً في صورة المعبود كما ظهرت في صورة فرعون، وفي صورة عبد كما ظهرت في صورة العَبِيد، وفي صورة هادٍ كما ظهرت في صورة الأنبياء ﵈ والرُّسل والعلماء. والكلُّ من عينٍ واحدةٍ، بل هو العين الواحدة. فحقيقةُ العابد ووجودُه وإنِّيّتُه٤: هي حقيقة المعبود

  1. (١) ع: "ومعلومٌ".
  2. (٢) ل: "فليتهمهما".
  3. (٣) ما عدا م، ع: "الاتحاد"، وأشير إليها في هامش نسخة م، ولعله تصحيف.
  4. (٤) ق، ل: "أينيته" ولكنها مغيَّرة فيهما. وفي ش: "أيِّيَّته" نسبة إلى "أيّ". والمثبت من ج. في "تعريفات الجرجاني" (ص ٣٩ - ط فلوغل): "الإنِّيّة: تحقُّق الوجود العيني من حيث مرتبة الذاتية". والوارد في ش، ق ليس غلطًا ولكنه غير مقصود هنا فيما يظهر. قال صاحب "الشفا" في قسم المنطق ــ المدخل (ص ٤٦): "إنَّ الذَّاتيَّ الدالَّ على الماهية يقال له: المقول في جواب ما هو؟ والذاتِيُّ الدالُّ على الإنِّيَّة يقال له: المقول في جواب أيُّ شيء هو في ذاته؟ أو أيُّ ما هو؟ ". الظاهر أن "الإنيَّة" في عبارة "الشفا" هذه تصحيف "الأيِّيَّة". وانظر: "رسائل الكندي الفلسفية" (ص ١٢٩) ــ تعليق المحقق. و"المعجم الفلسفي" لجميل صليبا (ص ١٦٩ - ١٧١).
96

ووجوده وإنِّيّته.

فالفاتحة من أوّلها إلى آخرها تبيِّن بطلان قول هؤلاء الملاحدة وضلالهم.

فصل

والمقرُّون بالرَّبِّ تعالى أنّه صانع العالم نوعان:

نوعٌ ينفي مباينتَه لخلقه، ويقولون: لا مباين ولا محايث١، ولا داخل العالم ولا خارجه، ولا فوقه ولا تحته، ولا يمينه ولا يساره، ولا خلفه ولا أمامه، ولا فيه ولا بائن عنه. فتضمُّنُ الفاتحةِ للرَّدِّ على هؤلاء من وجهين٢:

أحدهما: إثبات ربوبيّته ﷿ للعالم، فإنَّ الرُّبوبيَّةَ المحضةَ تقتضي مباينةَ الرَّبِّ للعالم بالذّات، كما باينهم بالرُّبوبيّة وبالصِّفات والأفعال. فمَن لم يُثبت ربًّا مباينًا للعالم فما أثبَتَ ربًّا، فإنّه إذا نفى المباينة لزمه أحدُ أمرين لزومًا لا انفكاك له عنه البتّة: إمّا أن يكون هو نفسَ هذا العالم، وحينئذٍ يصحُّ قوله، فإنّ العالم لا يباين ذاته ونفسه. ومن هاهنا دخل أهلُ الوحدة، كانوا معطِّلةً أوّلًا، واتِّحاديّةً ثانيًا. وإمّا أن يقول: ما ثَمَّ ربٌّ يكون مباينًا ولا محايثًا، ولا داخلًا ولا خارجًا، كما قالته٣ الدّهريّة المعطِّلة للصّانع.

  1. (١) ع: "مجانب"، تصحيف.
  2. (٢) لم يذكر المؤلف الوجه الثاني. ومن الغريب أنه لم يتفطَّن لذلك عند قراءة الكتاب عليه، لا هو ولا القراء.
  3. (٣) ع: "قاله".
97

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي