مدارج السالكين

قال صاحب «المنازل»١: (البسط: أن يُرسِل شواهد العبد في مدارج العلم، ويُسبِل على باطنه رداء الاختصاص، وهم أهل التلبيس. وإنَّما بُسطوا في ميدان البسط لأحد٢ ثلاث معانٍ، لكلِّ معنًى طائفة).

يريد: أنَّ البسط إرسال ظواهر العبد وأعماله على مقتضى العلم، ويكون باطنه معمورًا بالمراقبة والمحبَّة والأنس بالله، فيكون جماله في ظاهره وباطنه، فظاهره قد أُلبس الجمال بموجب العلم، وباطنه قد اكتسى٣ الجمال بالمحبَّة والرجاء والخوف والمراقبة والأنس، فالأعمال الظاهرة له دثارٌ، والأحوال الباطنة له شعارٌ. فلا حالُه ينقص عليه ظاهر حكم، ولا علمه يقطع عليه وارد حالٍ.

وقد جمع سبحانه بين الجمالين ــ أعني: جمال الظاهر والباطن ــ في غير موضعٍ من كتابه:

منها قوله: ﴿يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ [الأعراف: ٢٦].

ومنها قوله في نساء الجنّة: ﴿فِيهِنَّ خَيْرَاتٌ﴾ [الرحمن: ٧٠] فهنّ حسان الوجوه، خيرات٤ الأخلاق.

  1. (١) (ص ٩٦).
  2. (٢) هكذا في نسخةٍ كما في هامش ر، وهو الذي في مطبوعة «المنازل» وشرحي التلمساني (ص ٥٣٤) والقاساني (ص ٥٣٧، ٥٣٨). وفي النسخ: «بعد»، والظاهر أنه تحريف.
  3. (٣) ت: «ألبس».
  4. (٤) ش، د: «خير».
221

ومنها قوله: ﴿وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُورًا﴾ [الإنسان: ١١]، فالنضرة جمال الوجوه، والسُّرور جمال القلوب.

ومنها قوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ ٢٢ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢]، فالنضرة تزيِّن ظواهرها، والنّظر يجمِّل بواطنها.

ومنها قوله: ﴿وَحُلُّوا أَسَاوِرَ مِنْ فِضَّةٍ وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَابًا طَهُورًا﴾ [الإنسان: ٢١]، فالأساور جمَّلت ظواهرهم، والشراب الطهور طهَّر بواطنهم.

ومنها قوله: ﴿إِنَّا زَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِزِينَةٍ الْكَوَاكِبِ ٦ وَحِفْظًا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ مَارِدٍ﴾ [الصافات: ٦ - ٧]، فجمَّل ظاهرها بالكواكب، وباطنها بالحراسة من الشياطين.

رجعنا إلى شرح كلامه.

قوله: (وهم أهل التّلبيس) يعني: أنَّهم المذكورون في باب القبض وهم الفرقة الثانية الذين سُتروا بلباس التلبيس في١ أعين الناس، فلا تُرى حقائقهم.

قوله: (وإنَّما بسطوا في ميدان البسط)، أي: بسطهم الحقُّ سبحانه، ولم يتعمَّلوا البسط من أنفسهم. وميدان البسط هو الذي نصبه لهم الحق سبحانه٢ على لسان رسوله ﷺ، لا ما يظنُّه الملحد٣ أنَّه السماع الشهيُّ، وملاحظة

  1. (١) ت، ر: «عن».
  2. (٢) «ولم يتعملوا ... الحق سبحانه» ساقط من ر، وطبعة الفقي.
  3. (٣) أي: التلمساني في «شرحه» (ص ٥٣٤).
222

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي