قوله: (وهم أهل التّلبيس) يعني: أنَّهم المذكورون في باب القبض وهم الفرقة الثانية الذين سُتروا بلباس التلبيس في١ أعين الناس، فلا تُرى حقائقهم.
قوله: (وإنَّما بسطوا في ميدان البسط)، أي: بسطهم الحقُّ سبحانه، ولم يتعمَّلوا البسط من أنفسهم. وميدان البسط هو الذي نصبه لهم الحق سبحانه٢ على لسان رسوله ﷺ، لا ما يظنُّه الملحد٣ أنَّه السماع الشهيُّ، وملاحظة
(١) ت، ر: «عن».
(٢) «ولم يتعملوا ... الحق سبحانه» ساقط من ر، وطبعة الفقي.
نعم، هذا ميدانٌ بسَطَه الشيطان يقتطع به النفوس عن الميدان الذي نصبه الرحمن، فميدان الرحمن الذي بسطه لأنبيائه وأوليائه هو ما كان عليه رسول الله ﷺ مع أصحابه وأهله ومع الغريب والقريب مِن: سعة الصدر، ودوام البشر، وحسن الخلق، والسلام على من لقيه، والوقوف مع من استوقفه، والمزح بالحقِّ مع الصغير والكبير أحيانًا، وإجابة الدعوة، ولين الجانب حتَّى يظنَّ كلُّ واحدٍ من أصحابه أنَّه أحبُّهم إليه. وهذا الميدان لا تجد فيه إلَّا واجبًا، أو مستحبًّا، أو مباحًا يُعين عليهما.
أي: جعل الله سبحانه انبساطهم مع الخلق رحمةً لهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[آل عمران: ١٥٩]، فالرّبُّ سبحانه بسط هؤلاء مع خلقه ليقتدي بهم السالك، ويهتدي بهم الحيران، ويُشفى بهم العليل، ويُستضاء بنور هدايتهم ونصحهم ومعرفتهم في ظلمات دياجي الطَّبع والهوى، فالسالكون يقتدون بهديهم إذا سكتوا، وينتفعون بكلماتهم إذا نطقوا٢، فإنَّ حركاتِهم وسكونَهم ونُطقهم وسكوتهم لمَّا كانت بالله ولله وعلى أمر الله= جذبت قلوب الصادقين إليهم. وهذا النُّور الذي أضاء على الناس منهم هو نور العلم والمعرفة.