نعم، هذا ميدانٌ بسَطَه الشيطان يقتطع به النفوس عن الميدان الذي نصبه الرحمن، فميدان الرحمن الذي بسطه لأنبيائه وأوليائه هو ما كان عليه رسول الله ﷺ مع أصحابه وأهله ومع الغريب والقريب مِن: سعة الصدر، ودوام البشر، وحسن الخلق، والسلام على من لقيه، والوقوف مع من استوقفه، والمزح بالحقِّ مع الصغير والكبير أحيانًا، وإجابة الدعوة، ولين الجانب حتَّى يظنَّ كلُّ واحدٍ من أصحابه أنَّه أحبُّهم إليه. وهذا الميدان لا تجد فيه إلَّا واجبًا، أو مستحبًّا، أو مباحًا يُعين عليهما.
أي: جعل الله سبحانه انبساطهم مع الخلق رحمةً لهم، كما قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾[آل عمران: ١٥٩]، فالرّبُّ سبحانه بسط هؤلاء مع خلقه ليقتدي بهم السالك، ويهتدي بهم الحيران، ويُشفى بهم العليل، ويُستضاء بنور هدايتهم ونصحهم ومعرفتهم في ظلمات دياجي الطَّبع والهوى، فالسالكون يقتدون بهديهم إذا سكتوا، وينتفعون بكلماتهم إذا نطقوا٢، فإنَّ حركاتِهم وسكونَهم ونُطقهم وسكوتهم لمَّا كانت بالله ولله وعلى أمر الله= جذبت قلوب الصادقين إليهم. وهذا النُّور الذي أضاء على الناس منهم هو نور العلم والمعرفة.
(١) «المنازل» (ص ٩٧).
(٢) «والهوى ... نطقوا» ساقط من ت.
والعلماء ثلاثة:
- عالمٌ استنار بنوره واستنار به الناس، فهذا من خلفاء الرُّسل وورثة الأنبياء.
- وعالمٌ استنار بنوره ولم يستنر به غيرُه، فهذا إذا لم يفرِّط كان نفعه قاصرًا على نفسه، وبينه وبين الأوَّل ما بينهما.
- وعالمٌ لم يستنر بنوره ولا استنار به غيرُه، فهذا علمه وبالٌ عليه، وبسطته للناس فتنةٌ لهم، وبسطة الأوَّل رحمةٌ لهم.
قوله: (والحقائق مجموعة، والسرائر مصونة)، أي: انبسطوا والحقائق التي في سرائرهم مجموعةٌ١ في بواطنهم، لم تتفرق بالانبساط الذي اشتغلت به ظواهرهم، فالانبساط لم يشتِّت قلوبهم، ولم يفرِّق هممهم، ولم يحلَّ عقد عزائمهم. وسرائرهم مصونةٌ مستورةٌ لم يكشفوها لمن انبسطوا إليه وإن كان البسط يقتضي الإلف واطِّلاعَ كلٍّ من المتباسطين على سرِّ صاحبه. فإيَّاك ثمَّ إيَّاك أن تُطلع من باسطتَه على سرِّك مع الله، ولكن اجذبه وشوِّقه، واحفظ وديعة الله عندك، لا تعرِّضها للاسترجاع.
(٣) في مطبوعة «المنازل»: «معانيهم»، وعليه شرح القاساني (ص ٥٤٠). والمثبت من النسخ هو مقتضى شرح التلمساني (ص ٥٣٦)، وإن كان المثبت في مطبوعته أيضًا: «معانيهم».