الشواهد شُهودهم١ فيكونَ إدراكهم بالاستدلال، بل مشهودهم حاضرٌ لهم لم يدركوه بغيره، فلا يخالط مشاهدتَهم له شواهدُ من غيره. والشواهد مثل الأمارات والعلامات.
وهذا الكلام يحتاج إلى٢ بيانٍ وتفصيلٍ:
فإنَّ الله سبحانه أقام الشواهد عليه، وملأ بها كتابه، ودعا عباده إلى النظر فيها والاستدلال بها، ولكنَّ العارف إذا حصل له منها الدلالة، ووصل منها إلى اليقين انطوى حكمُها في شهوده، وسافر قلبه منها إلى المطلوب المدلول عليه بها، ورآها كلَّها أثرًا من آثار أسمائه٣ وصفاته وأفعاله، فعاين المشهود المدلول عليه بها معاينةَ القلب والبصيرة للصانع إذا عاين صُنعَه، فكأنَّه يرى الباني وهو يبني ما يشاهده٤ من البناء المحكم المتقن؛ لا أن الشواهد والأدلَّة تَبطُل ويَبطُل حكمُها.
فتأمّل هذا الموضع، فإنَّه غلط فيه فريقان: فريقٌ أساؤوا الظنَّ بمن طوى حكم الشواهد والأدلَّة، ونسبوهم إلى ما نسبوهم إليه. وفريقٌ رأوا أنَّ الشواهد نفس المشهود، والدليل عين المدلول عليه، ولكن كان في الابتداء شاهدًا ودليلًا، وفي الانتهاء مشهودًا٥ ومدلولًا.
(١) ر: «مشهودهم».
(٢) زيد في ر: «شرح و».
(٣) في النسخ عدا ر: «إيمانه»، تصحيف.
(٤) ت، ر: «شاهده».
(٥) ش، د: «شهودًا».
قوله: (ولا تضرب رياح الرُّسوم موجودهم١)، شبَّه الرُّسوم بالرِّياح؛ لأنَّ٢ معاني الصُّور الخلقيَّة تمرُّ على أهل الشُّهود الضعيف فتحرِّك بواطنهم بنوعٍ من الشكِّ والريب، فهؤلاء الذين بسطهم الحقُّ تعالى سالمون من ذلك.
قوله: (فهم منبسطون في قبضة القبض)، أي: هم في حال انبساطهم غير محجوبين عن معاني القبض، بل هم مبسوطون٣ بقبضه إيَّاهم عن غيره، فلا يتنافى في حقِّهم البسط والقبض، بل قبضهم إليه٤ في بسطهم، وبسطهم٥ به في قبضهم. وجَعَل للقبض قبضةً ترشيحًا للاستعارة.
قال٦: (وطائفةٌ بُسطت أعلامًا على الطريق، وأئمَّةً للهدى، ومصابيح للسالكين).
إنَّما كانت هذه الفرقة أعلى من الفرقتين لأنَّها شاركتهما في درجتيهما واختصَّت عنهما بهذه الدرجة، فاتَّصفت بما اتَّصفت به الأولى من الأعمالِ والثانيةُ من الأحوال، وزادت عليهما بالنفع للسالكين، والهداية للحائرين، والإرشاد للطالبين؛ فاهتدى بهم الحائر، وسار بهم الواقف، واستقام بهم
(١) ش، د: «بوجودهم»، وقد سبق على الصواب.
(٢) سقطت النون من ش. وكذا في د، ثم أصلح فيها إلى: «أي».