مدارج السالكين

تَلَذَّذُ١ بإدراكها، والعلمُ بما في تلك اللذَّات من المفاسد العاجلة والآجلة يمنعها من تناولها، والعقل يأمرها بأن لا تفعلي، فإذا زال العلم الكاشف المميِّز والعقل الآمر الناهي انبسطت النفس في هواها، وصادفت مجالًا٢ واسعًا.

وحرَّم الله سبحانه السُّكر لسببين٣ ذكرهما في كتابه، وهما: إيقاع العداوة والبغضاء بين المسلمين، والصدُّ عن ذكر الله وعن الصلاة. وذلك يتضمَّن حصولَ المفسدة الناشئة من النُّفوس بواسطة زوال العقل، وانتفاءَ المصلحة التي لا تتمُّ إلَّا بالعقل؛ فإيقاع العداوة من الأوَّل، والصدُّ عن ذكر الله من الثاني.

وقد يكون سبب السُّكر غير تناول المسكر، إمَّا ألم شديد يُغيِّب العقل حتَّى يصير كالسكران، وقد يكون سببَه٤ مخوفٌ عظيمٌ هجم وهلةً واحدةً حتَّى غيَّب عقلَ من هجم عليه. ومِن هذا قوله تعالى: ﴿وَتَرَى النَّاسَ سُكَارَى وَمَا هُمْ بِسُكَارَى﴾ [الحج: ٢]، فهم سكارى من الدهش والخوف، وليسوا سكارى٥ من الشراب، فسكرهم سكر خوفٍ ودهشٍ، لا سكر لذَّةٍ وطربٍ.

وقد يكون سببه قوَّة الفرح بإدراك المحبوب، بحيث يختلط كلامُه وتتغيَّر أفعاله، بحيث يزول عقله ويُعربد أعظم من عربدة شارب الخمر.

  1. (١) ت، ر: «تلتذ».
  2. (٢) ت: «محلا»، تصحيف.
  3. (٣) ت، ر: «لشيئين».
  4. (٤) زيد في هامش د: «أمر» مصححًا عليه.
  5. (٥) ر: «بسكارى».
232

وربَّما قتله سكرُ هذا الفرح بسببٍ١ طبيعيٍّ، وهو انبساط دم القلب وهلةً واحدةً انبساطًا غير معتادٍ، والدَّم هو حامل الحارِّ الغريزيِّ، فيبرد القلب بسبب انبساط الدم عنه، فيحدث الموت. ومن هذا قول سكران الفرح بوجود راحلته في المفازة بعد أن استشعر الموت: «اللهمَّ أنت عبدي وأنا ربُّك»، أخطأ من شدَّة فرحه٢.

وسكرة الفرح فوق سكرة الشراب، فصوِّر في نفسك حال فقيرٍ مُعْدِمٍ، عاشقٍ للدُّنيا أشدَّ العشق، ظَفِر بكنزٍ عظيمٍ، فاستولى عليه آمنًا مطمئنًّا، كيف يكون سكره٣؟ أو من غاب عنه غلامه بمالٍ له عظيمٍ مدَّة سنين حتَّى أضرَّ به العُدْم، فقَدِم عليه من غير انتظارٍ له بماله كلِّه وقد كسب أضعافه؟

وقد يوجبه غضبٌ شديدٌ، يحول بين الغضبان وبين تمييزه، بل قد يكون سكر الغضب أقوى من سكر الطرب، ولهذا قال النبيُّ ﷺ: «لا يقضي القاضي بين اثنين وهو غضبان»٤.

ولا يستريب من شمَّ رائحة الفقه أنَّ الغضب إذا وصل بصاحبه إلى هذه الحال فطلَّق، لم يقع طلاقه. وقد نصَّ الإمام أحمد٥ على أنَّ الإغلاق الذي

  1. (١) ر: «لسبب».
  2. (٢) كما في حديث أنس عند مسلم (٢٤٧٤)، وهو في البخاري (٦٣٠٩) من طريق آخر مختصرًا، ليس فيه محل الشاهد.
  3. (٣) ت، ر: «تكون سكرته».
  4. (٤) أخرجه أحمد (٢٠٣٨٩) ــ واللفظ له ــ والبخاري (٧١٥٨) ومسلم (١٧١٧) من حديث أبي بكرة.
  5. (٥) في رواية حنبل، كما في «زاد المسافر» لغلام الخلال (٣/ ٢٦٥، ٢٧٣).
233

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي